سودان تمورو:
- خصائص نظرية النظام الدولي الإسلامية
تتسم نظرية النظام الدولي في المنظور الإسلامي بجملة من الخصائص الفكرية والمنهجية، من أبرزها:
أولاً: نظرية شمولية ومنهجية
تُعدّ نظرية النظام الدولي الإسلامية نظرية كليّة أو “فراروائية” تسعى إلى تفسير ماهية النظام الدولي وأسباب تشكّله من جهة، وآليات تطوره وتغيّره من جهة أخرى. وهي بذلك نظرية ذات طابع منهجي قائم على التفسير والتحليل والمعيارية والنقد.
وتكتسب صفتها الكلّية من كونها عامة وعابرة للحدود، ومحاولة لتفسير البنية الكلية للعلاقات الدولية، لا مجرد تحليل سلوك الوحدات السياسية الفاعلة فيها.
وعلى خلاف النظريات أحادية المستوى التي تركز على سلوك الدول أو تأثير النظام الدولي عليها، تقدّم هذه النظرية تصوراً شاملاً للنظام العالمي بوصفه إطاراً كلياً تتفاعل داخله مختلف الوحدات.
كما أن تعريف النظرية بوصفها “منهجاً نظامياً” لا يعني غياب الأسس المفهومية الإسلامية مثل الأمة، الفطرة، والسنن الإلهية؛ فهذه المفاهيم تشكل البنية التحتية التي يقوم عليها مفهوم النظام الدولي الإسلامي. ومن ثمّ فإن تصور النظام الدولي في الإسلام هو تصور متعدد المستويات، يربط بين الأبعاد الفردية، والمحلية، والوطنية، والإقليمية، والعالمية في شبكة واحدة من التفاعل.
ثانياً: نظرية تفسيرية
تكتسب هذه النظرية طابعاً تفسيرياً لأنها تسعى إلى فهم الظواهر الدولية كما هي، على أساس أن العالم الاجتماعي يتضمن حقائق موضوعية يمكن الكشف عنها عبر التحليل والنظرية. غير أن “التفسير” هنا لا يعني تثبيت الوضع القائم، بل يعني كشف أصول المشكلات البنيوية في النظام الدولي بغرض معالجتها وإصلاحها.
ثالثاً: نظرية تكوينية
لا تكتفي النظرية بتحليل النظام الدولي في واقعه الراهن، بل تحاول تفسير كيفية تشكّله تاريخياً، وكيف اكتسب شرعيته واستقراره، وكيف أصبح يُنظر إليه باعتباره نظاماً طبيعياً. ولهذا فهي نظرية “تكوينية” تكشف عمليات البناء والتطبيع التي خضعت لها الهياكل الدولية الحالية.
رابعاً: نظرية لحلّ المشكلات
تُعدّ النظرية الإسلامية للنظام الدولي أيضاً نظرية علاجية، لأنها تسعى لتحديد الأسباب العميقة لاختلالات النظام الدولي المعاصر.
وترى أن أصل الأزمة العالمية يتمثل في غياب العدل بسبب انحراف الإنسان والمجتمعات عن الفطرة والسنن الإلهية، وما يتبع ذلك من رفض للحق بمعناه الوجودي والأخلاقي.
ومن ثمّ، فإن وظيفة النظرية ليست المحافظة على النظام الظالم، بل فضح البنى السلطوية والعلاقات الجائرة، ورفض مظاهر الاستكبار، والانحياز إلى المستضعفين باعتبار ذلك التزاماً أخلاقياً أصيلاً.
وتسعى النظرية إلى بيان كيف يمكن للقيم الأخلاقية والمبادئ الإسلامية أن تؤثر في النظام الدولي وتعيد بناءه ليكون أكثر عدلاً وإنسانية.
خامساً: نظرية معيارية
تتسم نظرية النظام الدولي الإسلامية بطابع معياري على مستويين:
- على المستوى الضيق: إدماج القيم الأخلاقية الإسلامية في بنية النظرية.
- على المستوى الواسع: الكشف عن المبادئ الأخلاقية المشتركة بين البشر، والسعي لتطبيقها في العلاقات الدولية.
وهي نظرية تصف “ما يجب أن يكون”، لا ما هو كائن فقط، وتسعى إلى صياغة منظومة قيمية تحدد شروط النظام الدولي العادل الذي يحقق كمال الإنسان وسعادته.
وتندرج النظرية في إطار النظريات الأخلاقية الكونية (Cosmopolitan Normative Theory)، لأنها تؤمن بوجود قيم إنسانية عامة متجذرة في الفطرة المشتركة للبشرية، وتطمح لتأسيس مجتمع عالمي أخلاقي يتجاوز حدود الدولة القومية ويتحقق تحت إطار سياسي وأخلاقي إسلامي واحد.
وترى النظرية أن النظام الدولي الإسلامي المنشود هو نظام أخلاقي، غير علماني، وعادل، يحقق مصالح البشر جميعاً، ويستند إلى قيم ثابتة لأنها مستمدة من الفطرة، وليس من اتفاقيات أو تصورات نسبية متغيرة.
كما تهدف النظرية إلى إعادة بناء شرعية النظام الدولي على أسس أخلاقية واضحة، وتقديم مبادئ للسلوك السياسي الدولي تساعد الدول والمجتمعات على الاقتراب من النموذج الفاضل.
سادساً: نظرية نقدية
تتسم نظرية النظام الدولي الإسلامية بطابع نقدي واضح لأنها:
- ترى إمكان تغيير النظام الدولي نحو الأفضل.
- تعتبر أن تجاوز البنى الدولية الظالمة شرط لتحقيق العدل العالمي.
- تنتقد الأطر الأيديولوجية للنظام الدولي المعاصر ومصالح القوى المهيمنة فيه.
وترجع الجذور النقدية للنظرية إلى مركزية الإرادة الإنسانية، وحرية الإنسان وقدرته على تجاوز الواقع الظالم نحو واقع عادل.
وتؤكد أن هذا الانتقال لا يتحقق إلا بالعودة إلى الفطرة والسنن الإلهية، عبر إصلاح داخلي للفرد (تزكية النفس)، وإصلاح للمجتمع والدولة، ثم إصلاح للهياكل الدولية الظالمة.
كما تستند الطبيعة النقدية للنظرية إلى العقل والوحي معاً:
العقل النظري يحلل الواقع الدولي ويفهمه.
العقل العملي يصدر أحكاماً معيارية حول ما ينبغي أن يكون.
الوحي يقدم الميزان النهائي للحكم الأخلاقي على العلاقات الدولية.
وهكذا تصبح النظرية الإسلامية للنظام الدولي ليست مجرد وصفٍ للواقع، بل مشروعاً لتجاوزه نحو نظام عالمي أكثر عدلاً، ينسجم مع الفطرة الإنسانية والسنن الإلهية.
