الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمحمد بن سلمان وسلام السودان!.. بقلم محمد العرب

محمد بن سلمان وسلام السودان!.. بقلم محمد العرب

سودان تمورو:

ليس من السهل أن يُكتب عن السودان اليوم من دون الإحساس بأننا نكتب عن دولة تقف حرفياً وسط مفترق طرق حقيقي ، حرب ممتدة منذ أبريل 2023، جيش يقاتل على جبهات متشعبة، اقتصاد ينهار طبقة بعد أخرى، ومجتمع أنهكته الهجرة والنزوح والجوع، بينما تتقاطع فوق الأرض السودانية مصالح قوى إقليمية ودولية ترى في الموانئ والذهب والموقع الاستراتيجي ما يفوق اهتمامها بمصير الإنسان.

في قلب هذا المشهد المعقد، يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، محاولاً إدارة معركة بقاء الدولة قبل أي شيء آخر ، تحركاته الأخيرة، ولا سيما مقاله المنشور في وول ستريت جورنال أواخر نوفمبر، لم يكن رأياً سياسياً عابراً ، بل رسالة سياسية مشفّرة بعناية، موجهة إلى الغرب، مفادها أن السودان لا يزال دولة تبحث عن شراكة لا عن وصاية، وعن دعم للاستقرار لا عن إدارة أزمة من بعيد.

البرهان هنا لا يناور ترفاً ، ولا يتقلب بين المحاور بلا بوصلة ، ما يفعله هو انعكاس مباشر لوضع دولة محاصَرة بالجغرافيا وبالحرب وبميزان القوى الدولية ، السودان لا يملك رفاهية الاصطفاف الصريح، بل يضطر إلى إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع الجميع، لأن كلفة الإغلاق في هذه المرحلة قد تعني انهيار ما تبقى من الدولة.

في هذا السياق، تكتسب زيارة البرهان إلى الرياض بدعوة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. فالرياض، في عهد الأمير الزعيم محمد بن سلمان، لم تعد مجرد عاصمة سياسية، بل تحولت إلى مركز ثقل إقليمي تُدار من خلاله ملفات الحرب والسلام، وتُصاغ فيه معادلات التوازن لا على حساب الاستقرار بل بحثاً عنه.

الدور الذي يلعبه الأمير محمد بن سلمان في صناعة السلام الإقليمي لم يعد محل جدل. من اليمن إلى ملفات التهدئة الإقليمية، ومن إعادة تعريف العلاقات مع القوى الدولية إلى بناء شبكة توازنات دقيقة، بات واضحاً أن السعودية في هذه المرحلة لا تبحث عن صراعات إضافية، بل عن استقرار طويل الأمد يحمي المنطقة من الانفجار. والسودان، بحساسيته الجغرافية وتشابكاته، يقع في قلب هذا الإدراك السعودي.

زيارة البرهان جاءت في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تزامنت مع حراك سعودي–مصري واضح بشأن السودان، ومع استضافة الرياض المنتدى العالمي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات بحضور الأمين العام أنطونيو غوتيريش. هذا التزامن لم يكن صدفة؛ بل يعكس رؤية سياسية ترى أن السلام لا يُبنى فقط عبر البيانات، بل عبر جمع المسارات: الحوار الدولي، الضغط الدبلوماسي، والعمل الإقليمي الهادئ.

منتدى تحالف الحضارات، بشعاره الداعي إلى الحوار بدل الصدام، قد يبدو للبعض خطاباً أخلاقياً في عالم تحكمه القوة. لكن وضعه في السياق السوداني يمنحه معنى أكثر واقعية: كيف يمكن إنقاذ دولة ممزقة إذا غاب الحد الأدنى من التفاهم، داخلياً وإقليمياً ودولياً؟ وكيف يمكن وقف الانزلاق إذا تُرك السودان ساحة مفتوحة للبنادق والطائرات المسيّرة ومن يمولها؟

الهجوم على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في منطقة أبيي، ومقتل جنود أمميين، شكّل جرس إنذار خطير. استهداف البعثات الدولية يعني أن الحرب تجاوزت حدودها التقليدية، وأن فكرة (الضمانة الدولية) نفسها باتت مهددة. وفي جنوب كردفان ودارفور والفاشر ، حيث سقط مدنيون وكوادر طبية، تتجسد المأساة السودانية في أقسى صورها: حرب بلا سقف، وبلا خطوط حمراء.

خلال زيارتي للسودان، تلمستُ بوضوح أن أخطر ما يواجه البلاد لم يعد فقط السلاح، بل الاعتياد على الخراب. الناس سئموا الشعارات، وتعبوا من الوعود، وباتوا يبحثون عن شيء واحد: عودة الدولة بمعناها البسيط. أمن، تعليم، علاج، وكرامة. هذا التعب الجماعي هو مؤشر خطر، لكنه في الوقت نفسه فرصة؛ لأن المجتمعات المنهكة تكون أكثر استعداداً للسلام إذا وُجد من يرعاه بصدق.

وهنا يبرز دور الأمير محمد بن سلمان بوصفه صانع سلام لا وسيط بيانات. السعودية تمتلك اليوم ما لا تمتلكه أطراف كثيرة: القدرة على جمع المتناقضين، والحديث مع الجميع، وربط المسار الإنساني بالسياسي، والأمني بالاقتصادي. هي لا تقدم نفسها وصياً على السودان، بل شريكاً في منع انهياره، لأن انهياره لن يكون شأناً سودانياً داخلياً فحسب، بل زلزالاً إقليمياً.

السودان ليس ملفاً هامشياً ، بل عقدة استراتيجية على البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وأي سقوط طويل الأمد فيه سينتج موجات ارتداد تطال الجميع: هجرة، فوضى، اقتصاد ظل، وتهديدات أمنية عابرة للحدود. من هنا، فإن الاستثمار في السلام السوداني اليوم، كما تفعل الرياض، أقل كلفة بكثير من إدارة الفوضى غداً.

بين خطاب الحوار في قاعات الرياض، وصوت الرصاص في شوارع دارفور ، يقف الأمير محمد بن سلمان ممسكاً بخيط دقيق: خيط منع السقوط الكامل، وفتح نافذة أمل واقعية. السودان اليوم اختبار حقيقي لفكرة السلام في زمن الفوضى، والسعودية، بقيادته، تحاول أن تثبت أن صناعة السلام ليست ضعفاً ، بل أعلى درجات القوة السياسية.

ما بين الهاوية والنجاة، لا يحتاج السودان إلى مزيد من الخطب، بل إلى رعاة توازن. والرياض، في هذه اللحظة، ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل ركيزة أمل أخير قبل السقوط الحر لا سامح الله

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات