سودان تمورو:
قال محللون وخبراء إن مستقبل مبادرة الرباعية بات موضع تساؤل في ظل استمرار القتال وتعدد زيارات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى دول المنطقة، وسط تضارب التقديرات بشأن ما إذا كانت هناك تفاهمات غير معلنة بين الجيش وقوات الدعم السريع أو أن المبادرة وصلت إلى طريق مسدود وخلّفت فراغاً سياسياً تبحث الأطراف عن بدائل لملئه.
وتُعد الرباعية آلية إقليمية دولية تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها السعودية ومصر والإمارات، وشُكّلت في عام ألفين وخمسة وعشرين بهدف وقف الحرب وفتح مسار سياسي يعيد العملية الانتقالية التي انهارت مع اندلاع القتال في أبريل ألفين وثلاثة وعشرين. وجاءت امتداداً لمسار جدة، مع سعيها لتجاوز إخفاقات المبادرات السابقة عبر تنسيق أوسع بين الأطراف المؤثرة.
وركزت أهداف الرباعية على وقف إطلاق نار مستدام وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية ثم إطلاق عملية سياسية تقود إلى حكم مدني. لكن مسارها واجه منذ البداية اعتراضات من الجيش على مشاركة الإمارات، مع محاولات لدفع صيغ بديلة تستبعد أبوظبي بدعوى انحيازها لقوات الدعم السريع.
ومع مرور الوقت، دخلت المبادرة في حالة جمود دون تحقيق اختراق ميداني، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الأزمة الإنسانية. هذا الجمود فتح الباب أمام تفسيرات متباينة بين من يرى أن المبادرة تعثرت، ومن يعتقد أنها انتقلت إلى مسار مغلق يقوم على تفاهمات مؤجلة وغير معلنة.
وقال الباحث في الشؤون الأفريقية محمد تورشين وفق جريدة التغيير إن الحديث عن مفاوضات سرية بين الجيش والدعم السريع بوساطة الرباعية يفتقر إلى الأدلة، مشيراً إلى أن أي تفاهمات من هذا النوع كان يفترض أن تنعكس على سير العمليات العسكرية، وهو ما لم يحدث. واستبعد صحة ما تردد عن اتفاقات تتعلق بمنطقة هجليج أو تمرير نفط جنوب السودان، مؤكداً أن التطورات الميدانية لا تدعم هذه الروايات.
وأضاف تورشين أن الزيارات المتكررة للسعودية ومصر لا تمثل مؤشراً على عودة الرباعية لمسار تفاوضي نشط، بل تأتي ضمن تحالف إقليمي غير معلن يضم السعودية ومصر والسودان وإريتريا، مرتبط بأمن البحر الأحمر وتوازنات النفوذ في القرن الأفريقي، معتبراً أن ما يجري في السودان أصبح جزءاً من اصطفافات إقليمية لا تستهدف بالضرورة إنهاء الحرب.
وفي قراءة أخرى، قال المحلل السياسي فؤاد عثمان إن أزمة الرباعية لا تتعلق بتكوينها بل بسلوك طرفي الحرب، موضحاً أن الجيش والدعم السريع يتعاملان مع المبادرات السياسية كأدوات للمناورة وتحسين شروط القتال. وأشار إلى أن تحفظ الجيش على مشاركة الإمارات يعكس رغبة في إعادة ترتيب الوسطاء بما يخدم حساباته، بينما يواصل الدعم السريع الانخراط الخطابي دون استعداد فعلي لإنهاء الحرب.
وأوضح عثمان أن زيارات البرهان الإقليمية تهدف إلى إعادة إنتاج شرعية سياسية أكثر من كونها مؤشراً على مسار تفاوضي، مؤكداً أن قوى مدنية رافضة للاصطفاف العسكري حققت تقدماً في نيروبي عبر إعلان ميثاق لتوحيد الرؤى السياسية.
في المقابل، يرى المحلل السياسي صلاح الدومة أن الرباعية لم تنهَر، بل يجري تنفيذها وفق جداول زمنية سرية اتفقت عليها الدول الأربع مع طرفي النزاع، محدداً نهاية ديسمبر أو بداية يناير موعداً حاسماً. وقال إن التحركات المصرية تأتي في إطار مساومة سياسية لا يُتوقع لها النجاح، مشيراً إلى أن القاهرة جرى تجاوزها في اجتماعات سابقة.
وأكد الدومة أنه لا مجال لإطلاق مبادرات جديدة، وأن الرباعية ستُفرض حتى على الأطراف المترددة أو الرافضة.
وتعكس هذه المواقف المتباينة حالة الالتباس التي تحيط بمصير المبادرة، بين من ينفي وجود تفاهمات سرية، ومن يرى أنها تحولت إلى أداة مناورة، ومن يؤكد أنها ماضية نحو الحسم. غير أن القاسم المشترك بينها هو أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً فقط، بل أصبحت جزءاً من شبكة تحالفات ومصالح إقليمية ودولية تتقدم فيها الحسابات الاستراتيجية على أولوية وقف القتال.
