سودان تمورو:
بخلاف سجون الولايات توجد في العاصمة الخرطوم ستة سجون رئيسة، بما فيها سجن واحد مخصص للنساء في مدينة أمدرمان، ومن أشهر السجون سجن كوبر المركزي، الذي شيد خلال الاستعمار البريطاني عام 1903.
مع دخول الأسبوع الثالث من حرب السودان التي انطلقت شرارتها الأولى من داخل العاصمة الخرطوم، انهارت منظومة مؤسسات الدولة الرسمية ودخلت العاصمة في مشهد مكتمل من الفوضى والانفلات الأمني، تزامناً فر نحو 19 ألفاً من نزلاء السجون السودانية ومراكز الاحتجاز بأقسام الشرطة الأخرى، بخاصة في ولاية الخرطوم وبعض الولايات الأخرى التي طاولتها الحرب، واضطرت السلطات إلى الإفراج عن بعضهم نتيجة تعذر حمايتهم وتوفير أسباب الحياة لهم.
وعقب تحرير العاصمة وبدء عودة الحياة إليها استعادت السجون بعض عافيتها وأعلنت استعدادها استقبال النزلاء مجدداً، وطلبت الشرطة من السجناء الفارين تسليم أنفسهم لإكمال فترة عقوباتهم في أسرع فرصة، فهل يعودون طوعاً؟ أم كيف يمكن إعادتهم قسراً مرة أخرى بعد نحو ثلاثة أعوام من الهرب بينما الحرب لا تزال مستمرة؟
تحديات وخطورة
تحديات كثيرة تواجها الشرطة السودانية لاستعادة العدد الكبير من السجناء الفارين، وما يزيد المشكلة تعقيداً أن من بينهم قتلة مدانين بالإعدام وجرائم عنف ونهب من أصحاب السوابق ومهربي وتجار مخدرات، فضلاً عن قيادات ورموز من النظام السابق الذين كانوا قيد المحاكمة في قضية انقلاب عام 1989.
استعادة السجلات
في الأثناء، تمكنت الشرطة من استعادة قواعد بيانات سجلات المحكومين والمنتظرين في السجون في كل أنحاء السودان، وأكد نائب المدير العام للشرطة السودانية الفريق الطاهر علي أن استعادة أنظمة العمل بالسجل المدني والجوازات والمرور والمباحث الجنائية المركزية وأنظمة سجلات المحكومين والمنتظرين بالسجون، ستؤدي إلى حفظ الهوية السودانية بعدما طاول مؤسساتها التخريب الناجم عن الحرب.
هكذا فروا!
ومنذ نهاية الشهر الأول للحرب فر الآلاف من سجون العاصمة السودانية بعدما اقتحمت قوات “الدعم السريع” مقار أكبر سجون ولاية الخرطوم (الهدى، سوبا، كوبر، الجريف، سجن النساء بأم درمان) إلى جانب سجن دبك وحررت النزلاء تحت تهديد السلاح.
أما ما يخص ملابسات خروج رموز نظام الرئيس السابق عمر البشير وقيادات حزبه “المؤتمر الوطني” الذين كانوا ينتظرون بسجن كوبر المركزي تحت المحاكمة وعددهم 18 قيادياً بمن فيهم البشير نفسه، فقد جرى الإفراج عنهم عند اندلاع الحرب، بقرار من نائب رئيس القضاء بعد إلزامهم كتابة تعهدات شخصية بتسليم أنفسهم أمام الرأي العام متى ما طلب منهم ذلك، بحسب مدير سجون السودان الفريق شرطة ياسر عمر أبوزيد، وعلى رغم اتهامات الجيش لـ”الدعم السريع” بتعمد مهاجمة السجون وإفراغها من السجناء فإن الأخيرة نفت الاتهام، مدعية أن مجموعات من منسوبي النظام السابق ارتدت زي قواتها هي من قامت بذلك.
هل يعود السجناء؟
ومع صعوبة التكهن بمصير السجناء الفارين أكد الناطق باسم قوات الشرطة العميد شرطة فتح الرحمن التوم أن الشرطة تمكنت من توقيف بعضهم أثناء محاولتهم الفرار خارج الخرطوم، كما فعلت السلطات اتفاقات وبروتوكولات تبادل المجرمين مع بعض الدول، لاستعادة من فروا خارج البلاد. وكانت إدارة السجون تتابعهم منذ الأيام الأولى للحرب، وتحدد مواقع وجودهم، وتعمل على إعادتهم، وشدد التوم على أن السجون القومية والولائية باتت الآن جاهزة لاستقبال السجناء مجدداً، وأن العمل يجرى لتأهيل المنشآت التي تضررت بفعل الحرب، لافتاً إلى أن بعضهم انتظم في القتال إلى جانب “الدعم السريع” وقتل آخرون أثناء المواجهات.
بين القانون والسياسة
في السياق أوضح المحامي الجنائي عبدالرحيم عباس أن إعادة عشرات آلاف السجناء الفارين من السجون خلال الحرب مسألة يتداخل فيها القانون مع الأمن والسياسة، “وهي من الملفات المعقدة التي تستدعي خطوات عاجلة ومنظمة تقوم على ترتيبات متدرجة، إذ إنه من دون قاعدة بيانات فإن أي حملة للملاحقة ستكون هدراً للوقت وعرضة للفشل”، ووصف عباس استعادة الشرطة سجلات المحكومين والمنتظرين بأنها عمل كبير “سيمكن الشرطة المتخصصة من القبض على المحكومين بخاصة الخطرون منهم والمدانون بالإعدام والمؤبد والأحكام الطويلة، وأصحاب السوابق والعصابات، مما سيسهم بعودة الأمن وإنفاذ العدالة بتنفيذ الأحكام القضائية على السجناء والمحكومين”.
حصر وتصنيف
ولفت عباس إلى أنه وعقب إعلان الشرطة نجاحها في استرجاع قاعدة بيانات الفارين “يجب أن يتم الشروع فوراً في حصرهم وتصنيفهم لتحديد طرق التعامل مع كل فئة منهم، فهناك المحكومون، وهذه الفئة نفسها، بينها أحكام كبيرة كالإعدام والمؤبد، بينما هناك أحكام صغيرة لا تتجاوز أشهراً أو أعواماً قليلة، فضلاً عن فئة منتظري محاكمتهم، كذلك هناك السجناء السياسيون على خلفيات أمنية وغيرهم، وبالطبع لا يمكن التعامل مع كل هذه الفئات بالطريقة نفسها”، ورأى المحامي الجنائي “أنه يجب البدء فوراً في ملاحقة السجناء الجنائيين الخطرين المدانين في جرائم القتل والإرهاب والمخدرات والاغتصاب، وإعادتهم إلى السجون فوراً كأولوية قصوى، أما السجناء الأقل خطورة فأصحاب السرقات والمخالفات الصغيرة فيمكن التعامل معهم بآليات قانونية مخففة، مع إمكان إخضاع فئة المعتقلين السياسيين أو المحتجزين من دون محاكمة لمراجعة قانونية مستقلة للنظر في دواعي احتجازهم”.
أدوات قانونية
وتابع “من بين الأدوات والآليات القانونية المتعارف عليها في مثل هذه الظروف، هو ما يعرف بالعفو المشروط والتسليم الطوعي، بإصدار مرسوم عفو مشروط لتسليم النفس خلال فترة زمنية محددة، مقابل تخفيف العقوبة أو إسقاط جزء منها، وهناك تجارب دولية تشير إلى نسبة كبيرة من الفارين من السجون يعودون بهذه الطريقة وتعتبر من الأدوات الأكثر فاعلية وأقل كلفة في ظروف الحرب، كذلك يمكن أن تؤدي المجتمعات المحلية وقياداتها كلجان المقاومة والعمد وشيوخ القبائل والنظار وغيرهم دوراً، فبعض من الفارين عادوا لقراهم ولا يختبئون في المدن”.
بحسب المحامي عباس أيضاً “يمكن لقوات الشرطة أن تنفذ حملات أمنية انتقائية تستهدف السجناء الفارين الخطرين فحسب، لأنهم قد يكونون أيضاً متورطين في تشكيل وإعادة تنظيم شبكات إجرامية من جديد، وربما تكون هناك حاجة قانونية إلى تشكيل محاكم طوارئ موقتة لإعادة محاكمة من فقدت ملفاتهم، أما في شأن الفارين إلى خارج الحدود فينبغي تنشيط اتفاقات التعاون الإقليمي بالتنسيق مع دول الجوار في مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا عبر الإنتربول لأن جزءاً من الفارين عبر الحدود”.
وفي شأن إمكان إعادة رموز النظام السابق على وجه التحديد إلى السجون لاستكمال محاكمتهم في قضية تدبير وتنفيذ انقلاب عام 1989 العسكري، أوضح عضو هيئة الاتهام المحامي المعز حضرة “أن المتهمين من رموز النظام السابق موجودون في منتجعات ويتحركون بكل حرية”، مستبعداً إعادتهم إلى السجون مرة أخرى، وأضاف “تمت تهيئة السجون واستأنفت عملها بالفعل، لكن ليس لاستقبال رموز النظام السابق، بل لدخول الناشطين المدنيين من مناهضي الحرب وأنصار ثورة ديسمبر (كانون الأول) عام 2019، تحت بلاغات كيدية بتهمة التعاون مع ’الدعم السريع‘ وتقويض النظام والجرائم الموجهة ضد الدولة، بعدما باتت مؤسسات الدولة، بخاصة القضائية والعدلية منها في يد أنصار وفلول ذلك النظام، مما يعكس مدى اختلال معايير العدالة بالبلاد”.
في السياق نفسه، رأى الناشط الحقوقي نزار عبدالمجيد أن هرب جميع النزلاء بسجون الخرطوم، “لم يكن كله عملاً منظماً، بل أسهم فيه الانهيار الذي شهدته مؤسسات الدولة المركزية بالخرطوم، بخاصة القانونية والعدلية وانسحاب الشرطة من المشهد الأمني، إلى جانب وقوع تلك السجون في مناطق المعارك المحتدمة”، وأكد “أن قوات الشرطة عادت لممارسة نشاطها ودورها بقوة بالفعل، وكان من بين أهم ما أنجزته استعادة السجلات الإلكترونية للمحكومين ونزلاء السجون، وباتت لديها القدرة على تتبعهم واستعادتهم بطرق مختلفة على رغم طول الفترة التي أمضوها في الفرار إلى أكثر من عامين ونصف العام”.
الرغبة والقدرة
لكن الناشط الحقوقي شكك في الوقت نفسه بمدى جدية الحكومة الراهنة في إعادة رموز النظام السابق بمن فيهم البشير إلى السجون مرة أخرى “إذ يبدو أنها إما غير راغبة أو غير قادرة على ذلك، بخاصة عقب هيمنة أنصارهم على أهم مفاصل الأجهزة العدلية والقضائية، وبدلاً من ذلك يستهدفون رافضي الحرب وأنصار ثورة ديسمبر”، وتابع “لماذا لم تتم إعادتهم قسراً ما داموا خلفوا بتعهداتهم؟ بخاصة أن أماكن وجودهم معلومة ومتاحة، ويمارسون نشاطهم السياسي ويجتمعون ويصدرون البيانات علناً”.
من جانبه أكد المتحدث باسم الشرطة السودانية العميد فتح الرحمن التوم أن السلطات لن تسمح، على الإطلاق، بمغادرة المنتظرين بالسجون والفارين من مناطق النزاعات إلى خارج السودان، في وقت أفادت مصادر سياسية بأن قادة ورموز نظام عمر البشير لم يغادروا البلاد، بل هم ممنوعون من السفر لدى السلطات المتخصصة.
سجون وقضايا
بخلاف سجون الولايات توجد في العاصمة الخرطوم ستة سجون رئيسة، بما فيها سجن واحد مخصص للنساء في مدينة أم درمان، ومن أشهر السجون سجن كوبر المركزي، الذي شيد خلال الاستعمار البريطاني عام 1903.
وكان عدد من قادة النظام السابق و”حزب المؤتمر الوطني” المنحل، بمن فيهم البشير ونائبه أحمد محمد هارون سجناء في سجن كوبر، ويخضعون للمحاكمة على تدبير وتنفيذ انقلاب الـ30 من يونيو (حزيران) عام 1989، وقال مدير السجون، وقتها إن عددهم 18 وإن البشير وآخرين كانوا يتلقون العلاج خارج السجن.
ودين البشير بالسجن بتهمة الفساد وغسل الأموال، وتم ترحيله إلى سجن كوبر في الخرطوم بحري، في حين قطع اندلاع الحرب إجراءات محاكمته ومعاونيه في قضية أخرى تتعلق بتدبير وتنفيذ انقلابه العسكري عام 1989 ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطياً برئاسة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي.
اندبندنت عربية
