سودان تمورو:
ليس سقوط الدكتاتور حدثًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل امتحان أخلاقي لضمير العالم، ومِفصلٌ حاسم يفرّق بين عدالة تُعيد للشعوب كرامتها، وغلبة تُبدّل الطغيان بطغيان آخر .. فالسقوط، في ذاته، لا يكون خلاصًا ما لم يكن منسوبًا إلى إرادة الناس، ومشدودًا إلى قانون يحفظ معنى الدولة قبل أن يُحاسب رأسها.
قال عبد الرحمن بن خلدون ذات حكمة: «الظلم مؤذن بخراب العمران»؛ وهي حكمة لا تُدين الاستبداد فحسب، بل تُحذّر من كل طريق يُفضي إلى هدم الدولة باسم إسقاط الحاكم.
(1)
ما جرى لرئيس فنزويلا، مهما اختلفت التقييمات حول تجربته، كشف عن وجهٍ قاسٍ للسياسة الدولية حين تنزلق من نصّ القانون إلى منطق القوة والغاب.. إذ لا تُقاس شرعية الأفعال بغاياتها المعلنة، بل بإجراءاتها واحترامها لسيادة الدول وحصانة رؤسائها.. وحين تُكسر القواعد، تصبح السابقة أخطر من الواقعة.
(2)
نعم يجب التمييز بين سقوط تُنجزه الشعوب فتسترد به حقها، وسقوط يُفرض من الخارج فيُهين الأمة قبل أن يُسقط الحاكم.. إذ أن الأول يُعيد بناء العقد الاجتماعي، والثاني يزرع بذور فوضى مؤجلة، لأن الدول (حتى حين تصمت) لا تنسى الإذلال، ولا تُشفى من جراح الوصاية.
(3)
تجارب شعب السودان العظيم تقدّم درسًا ناصعًا في أن الشعوب حين تصنع مستقبلها بأيديها، وإن تعثّرت، تبقى مالكة لقرارها..( أكتوبر وأبريل وديسمبر) لم تكن تواريخ انقلاب على أشخاص، بل محطات انتصار على فكرة اختطاف الإرادة. لذلك كان السقوط المنشود (ولا يزال) سقوطًا وطنيًا نظيفًا، لا استبدالًا لقهرٍ داخلي بآخر خارجي.
(4)
ولو جاء الدور على أيٍّ كان، حتى على أقوى الأسماء في النظام الدولي، فإن معيار القبول لا يتغيّر:” السقوط الذي يُهان فيه الشعب مرفوض، ولو كان المستهدف طاغية”.. فالعدالة التي تُذلّ الناس ليست عدالة، والتغيير الذي يُصادر كرامة الأمة لا يبني دولة.
(5)
في السودان، كادت لحظة ديسمبر أن تُنجز انتقالها الطبيعي، لولا أن أشعلت الفئة الباغية حربًا لعينة سرقت لحظة التاريخ وأعادت البلاد إلى منطق الدم.. هنا تتبدّى المأساة: “حين يُعطَّل السقوط الوطني، تُفتح الأبواب لتدويل لا يرحم، ويُختزل الصراع في أمن بلا سياسة”.
(6)
ما يحتاجه من بيده القرار اليوم ويجلس على أنفاس شعبه، ليس خطابًا مزدوجًا ولا رهانًا على الخارج، بل بصيرة مفتوحة تقرأ المشهد كما هو: (لا شرعية تُصنَع في العواصم، ولا دولة تُحمى بالقوة وحدها، ولا مستقبل يُبنى ضد شعبٍ علّم غيره كيف يقول (لا) دون أن يستعيرها من أحد.
(7)
سقوط الدكتاتور، إذن، ليس نهاية حاكم فحسب، بل اختبار نظامٍ عالميّ:” إمّا أن ينتصر للقانون فتنتصر معه كرامة الشعوب، أو ينحاز للقوة فيخسر المعنى”.. وبين هذا وذاك، تظل الحقيقة ثابتة:” الشعوب وحدها تُنهي الاستبداد دون أن تُهين نفسها .. وما عدا ذلك، سقوطٌ بلا خلاص. إنا لله ياخ.. الله غالب.
التغيير
