الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيإردوغان وإيران.. الحياد النشط لتركيا في الصراع في الشرق الأوسط لا يرضي...

إردوغان وإيران.. الحياد النشط لتركيا في الصراع في الشرق الأوسط لا يرضي الجميع .. عباس عثمان

سودان تمورو

لقد غيّرت العملية العسكرية التي بدأت في الشرق الأوسط من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل” ضدّ إيران الوضع في المنطقة بشكل جذري. لا تريد تركيا الدخول في حرب مع “إسرائيل” والولايات المتحدة. وقد صرّح الرئيس رجب طيب إردوغان بأنه يسعى إلى إبقاء بلاده خارج دائرة النار: “نحن لا نريد إطلاقاً أن تتحوّل الحرب إلى حرب استنزاف بين دول المنطقة”. لكن هناك من يدفع أنقرة بإصرار نحو طريق الحرب.

كان الهجوم بطائرة مسيّرة على مطار في ناخيتشيفان محسوباً بهدف دفع أذربيجان للانضمام إلى عملية الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وبالتالي تدخل تركيا. لكن تمّ تجنّب هذا السيناريو. فهناك عدد كبير من الأذربيجانيين يعيشون في شمال إيران، كما أنّ رئيس هذا البلد، مسعود بزشكيان، هو من أصول أذربيجانية.

إذا استمرّت الحرب في المنطقة، فمن المحتمل أن تمتدّ تداعياتها إلى داخل تركيا، التي تعاني أصلاً من مشكلات عديدة. يقول إردوغان: “نحن مستعدون للتعامل مع أيّ جهة لديها خطط تجاه تركيا”.

إنّ الوضع المحيط بتركيا أصبح هشاً، والتوازن في المنطقة أصلاً ضعيف للغاية. يلجأ الإيرانيون من الحرب إلى تركيا عبر الحدود في ولاية وان. وتمتدّ الحدود بين أنقرة وطهران لمسافة 2200 كيلومتر. اللجوء ليس سوى أحد المخاطر، إذ يجب إضافة العقوبات الثانوية الأميركية، وارتفاع أسعار الطاقة، وانقطاع الإمدادات، وهو ما حدث بالفعل. وهذا يخلق توتراً داخل “الناتو”، لكنه في الوقت نفسه يبرز الدور الخاص لأنقرة كجسر بين الشرق والغرب، ولاعب نشط قادر على الحوار مع طهران.

في غضون ذلك، يتصاعد الصراع في الشرق الأوسط: أطلقت إيران ثلاث مرات صواريخ باليستية باتجاه تركيا، مستهدفة القاعدة الجوية الأميركية في إنجرليك. وقد تمّ اعتراض جميع الصواريخ من قبل الدفاع الجوي للناتو من دون وقوع ضحايا. تدين أنقرة هذه الاستفزازات، لكنها لا تزال تتبع سياسة ضبط النفس: فإردوغان لا يوافق على الأعمال العسكرية الإيرانية ضدّ جيرانها، لكنه لا يقطع العلاقات الدبلوماسية معها. كما أدانت تركيا اغتيال آية الله علي خامنئي.

وكلّ حادثة هجوم إيراني على الأراضي التركية سيتمّ استغلالها من قبل من يسعون لجرّ أنقرة إلى الحرب إلى جانب واشنطن. وقد توجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إردوغان عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 11 آذار/مارس قائلاً: “أنت رجل قوي وخطيب رائع. أرِنا الصواريخ!” لكنّ تركيا لا تتسرّع في تصعيد التوتر مع إيران.

على مدى أكثر من 20 عاماً من حكمه، يسعى الزعيم التركي إلى تحويل بلاده من قوة إقليمية إلى لاعب رئيسي في القارة الأوراسية. تمتد الطموحات التركية من البلقان إلى آسيا الوسطى، ومن المناطق الشمالية التي يسكنها الناطقون بالتركية إلى السواحل الأفريقية. وتنتشر تركيا في العديد من الدول عبر استثماراتها ومشاريعها الصناعية ومدارسها الإسلامية وما يسمّى بالقوة الناعمة. وفي الشرق الأوسط، تمتلك تركيا مصالح ونفوذاً كبيرين في ليبيا والعراق وسوريا ما بعد الأسد وقطر.

ومن المهم أيضاً أنّ الوضع الحالي لتركيا في الشرق الأوسط، والذي يُطلق عليه “الحياد النشط”، مفيد للغاية لحلفائها في الناتو. بالنسبة لأوروبا، فإنّ إردوغان ليس محبوباً بقدر ما هو ضروري — ولكن فقط طالما يضمن تدفّق النفط والغاز الروسيّين الذي بدأ ينضب. وفي الوقت نفسه، تحاول أوكرانيا، التي أصبحت على هامش اهتمام الرئيس الأميركي، أن تثبت أهميتها من جديد لحلفائها عبر الانخراط في اللعبة السياسية الكبرى بمصالح محدودة.

في 26 آذار/مارس، تعرّضت ناقلة النفط التركية “ألتورا”، التابعة لشركة بيرغامون دنيزجيليك في إسطنبول، لهجوم في البحر الأسود. وكانت الناقلة قد انطلقت من نوفوروسيسك وعلى متنها 140 ألف طن من النفط الروسي. تمّ الهجوم بطائرات مسيّرة وزوارق غير مأهولة، وكان من السهل ملاحظة الأثر الأوكراني، وقد تمّ تأكيده لاحقاً. لم يُصب طاقم السفينة، المؤلف من 27 شخصاً، بأذى، لكن وقع انفجار قوي في منطقة جسر القيادة. وبدأ خفر السواحل التركي عملية إنقاذ، إلا أنّ خطر وقوع كارثة بيئية كبيرة لا يزال قائماً.

وليس هذا أول هجوم على المصالح التركية. ففي ليلة 28 شباط/فبراير، تصدّت أنظمة الدفاع الجوي الروسية لهجوم بثلاث طائرات مسيّرة أوكرانية استهدفت محطة ضغط في إقليم كراسنودار، وهي محطة تزوّد خط أنابيب “السيل التركي” بالغاز، والذي يمدّ تركيا ودول جنوب وجنوب شرق أوروبا.

وقد صرّحت وزارة الخارجية التركية بأنها ستتخذ إجراءات مناسبة تجاه أوكرانيا، لكنّ هذه الهجمات لم تؤدِ إلى عواقب جدّية لكييف، وإلا لما نفّذت حادثة أخرى في البحر الأسود، الذي تعتبره تركيا مجالاً لمصالحها. وقد وصفت الخارجية التركية الحادث بأنه انتهاك للقانون الدولي. ومع ذلك، وبما أنّ الناقلة ليست سفينة حربية، لم تجد أنقرة مبرراً للتصعيد العسكري واكتفت بالتحرّك الدبلوماسي.

من الواضح أنّ تصرّفات أوكرانيا تخلق مخاطر جديدة لتركيا. وإذا استمر هذا النشاط وتزامن مع محاولات أطراف أخرى جرّ أنقرة إلى الصراع في الشرق الأوسط، فقد يمتد الخطر إلى حلفاء تركيا، بما في ذلك في آسيا الوسطى. ومن المعروف أنّ ترامب ونتنياهو يسعيان إلى توسيع نطاق الصراع في الشرق الأوسط. كما أنّ الحرب بين باكستان وأفغانستان تمرّ من دون اهتمام كافٍ، رغم أنها خطوة أخرى نحو كارثة قريبة من حدود آسيا الوسطى.

حتى الآن، نجح إردوغان في الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع روسيا وبيع السلاح لأوكرانيا. لكنّ هذا السلاح أصبح الآن موجّهاً ضدّه. كما أنّ خطط أنقرة للتحوّل إلى مركز للطاقة لأوروبا وغرب آسيا تتعرّض للتهديد، في ظلّ محاولات أوكرانيا عرقلتها.

ومع ذلك، تواصل تركيا دعم “سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا” وتزويدها بالسلاح، رغم الضغوط الغربية. وهنا يكمن التناقض الذي يضع إردوغان أمام خيار صعب بين سوق السلاح الأوكراني وسوق الطاقة العالمية. وبالفعل، فإنّ هذا الخيار ليس سهلاً، لكنه ضروري، خاصة أنّ معظم الحروب اليوم تدور حول مصادر الطاقة. ولا يخفي أحد أنّ الصراع مع إيران هو حلقة ضمن سلسلة طويلة من المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة و”إسرائيل”.

كاتب لبنانى

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات