سودان تمورو
موقع الدفاع العربي – 3 يناير 2026: يتساءل كثيرون عن السبب الحقيقي وراء الغياب شبه الكامل لرد فعل منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية خلال الساعات الماضية، في وقت شهدت فيه البلاد نشاطًا جويًا أمريكيًا غير مسبوق، سواء قبالة السواحل أو فوق العمق الفنزويلي نفسه. الإجابة المختصرة، من منظور عسكري صرف، تكمن في عامل حاسم ألا وهو السيطرة الأمريكية على المجال الكهرومغناطيسي عبر طائرات الحرب الإلكترونية EA-18G Growler.
فمنذ أكثر من ساعة ونصف، رُصدت طائرتان أمريكيتان من طراز Boeing EA-18G Growler تعملان في محيط السواحل الفنزويلية. وظهور هذا الطراز لا يكون تفصيلًا ثانويًا في أي عملية عسكرية، إذ إن هذه الطائرة ليست مقاتلة تقليدية، بل منصة متخصصة صُممت خصيصًا لتعطيل وشل أنظمة العدو الإلكترونية، وعلى رأسها الرادارات، وشبكات الدفاع الجوي، وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات.
الـ Growler مشتقة من المقاتلة F/A-18F Super Hornet، لكنها خضعت لتعديلات عميقة جعلتها أداة سيطرة إلكترونية بامتياز. دخلت الخدمة رسميًا عام 2009 لتحل محل الطائرة الأقدم EA-6B Prowler، ومنذ ذلك الحين أصبحت العمود الفقري للحرب الإلكترونية الأمريكية في أي مسرح عمليات.
تعتمد الطائرة على منظومة الحرب الإلكترونية المتقدمة AN/ALQ-218، القادرة على رصد وتحليل مصادر الإشعاع الراداري المعادي وتشويشها أو تضليلها، إلى جانب رادار AESA AN/APG-79، وأنظمة ربط بيانات مثل Link-16، ما يسمح لها بالعمل كعقل إلكتروني ينسّق بين مختلف الوحدات الجوية والبحرية في الوقت الحقيقي.
ورغم أنها منصة حرب إلكترونية بالدرجة الأولى، فإن الـ EA-18G ليست بلا أنياب. فهي قادرة على حمل صواريخ جو-جو من طراز AIM-120 AMRAAM وAIM-9 Sidewinder للدفاع الذاتي، إضافة إلى صاروخ AGM-88 HARM المضاد للرادارات، ما يمنحها قدرة مباشرة على قمع أو تدمير منظومات الدفاع الجوي المعادية ضمن مهام SEAD/DEAD.
في ظل هذا الغطاء الإلكتروني الكثيف، لم يعد مستغربًا ما تلا ذلك ميدانيًا. فقد تمكن الجيش الأمريكي من احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته خلال عملية محكمة، نُفذت في قلب العاصمة، دون أن يُسجَّل أي رد فعل فعّال من الدفاعات الجوية أو أنظمة الإنذار المبكر. والأكثر دلالة، أن مروحيات أمريكية من طراز MH-47 شوهدت وهي تحلق بحرية تامة فوق سماء كاراكاس، في مشهد يعكس انهيارًا شبه كامل لمنظومة السيطرة الجوية الفنزويلية.
عسكريًا، لا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن الحرب الإلكترونية. فعندما تُصاب الرادارات بالعمى، وتُقطع قنوات الاتصال، وتُشل مراكز القيادة والسيطرة، تتحول منظومات الدفاع الجوي — مهما كان تسليحها نظريًا — إلى هياكل صامتة عاجزة عن الرصد أو الاشتباك. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة الـ EA-18G Growler، ليس كسلاح داعم، بل كأداة حسم تسبق الضربة وتحدد نتيجتها.
ما حدث فوق فنزويلا لم يكن غيابًا عرضيًا للدفاع الجوي، بل نتيجة مباشرة للسيطرة الأمريكية الكاملة على الفضاء الإلكتروني والجوي، وهي السيطرة التي فتحت الطريق أمام العمليات الخاصة، وأتاحت للطائرات والمروحيات الأمريكية التحرك فوق العاصمة دون مقاومة تُذكر، في واحدة من أوضح صور الحرب الحديثة التي تُحسم قبل أن تُسمع أصوات الاشتباك.
