الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالعسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (٤) بقلم د. ناهد محمد الحسن

العسكر للثكنات: المسافة بين الواقع والهتاف (٤) بقلم د. ناهد محمد الحسن

سودان تمورو:

ثلاثة أعوام من الحرب…
نزوح، لجوء، فقدان أحبة، صدمات، جوع، إذلال…
تجربة إنسانية قاسية يصعب حصر مفرداتها، وتثقل الذاكرة والوعي معًا.
من قلب هذا الخراب، يخرج سؤال يبدو صادمًا في ظاهره، لكنه بالغ الإنسانية في جوهره:
لماذا يدافع بعض المدنيين — أحيانًا بشراسة — عن عسكرة السياسة، أو عن “القبضة” بوصفها حلًّا، حتى وهم يعرفون أن القبضة نفسها قد تعود لتخنقهم؟
هذا سؤال لا تُجيب عنه الأخلاق وحدها، ولا يشرحه الاتهام وحده.
لأنه ليس سؤال: من هو الوطني ومن هو الخائن؟
بل سؤال: كيف يُصنَع الميل الشعبي إلى الاستبداد عندما تنهار شروط السياسة؟
الخوف ليس موقفًا… الخوف بنية حكم
في زمن الحرب، لا يعود الخوف شعورًا عابرًا، بل يتحوّل إلى منظومة إدراك.
الناس لا تختار بين برامج سياسية، بل بين:
النجاة الآن… والعدالة لاحقًا.
وحين يصبح “الآن” جحيمًا، تغدو كلمات مثل الحرية والدستور رفاهية في أذن جائع أو نازح أو محاصر.
هنا تبدأ أخطر عملية سياسية على الإطلاق: أن تتحول النجاة إلى معيار للشرعية.
تُصنَع الشرعية حينها لا عبر التفويض الديمقراطي، بل عبر القدرة على الحماية.
والحماية، في المخيال الشعبي، تُختزل سريعًا في:
السلاح، الزي العسكري، الانضباط، والقدرة على الرد.
لكن الفخ يبدأ حين تتحوّل الحماية من وظيفة إلى حقّ سياسي،
ومن مهمة مؤقتة إلى وصاية دائمة.
فليس كل من يحميك اليوم مؤهلًا لحكمك غدًا،
ولا كل من يملك السلاح يملك خريطة دولة.
ذاكرة الإذلال: الحنين إلى “الهيبة”
هناك عنصر نفسي عميق غالبًا ما يُهمَل في النقاشات السياسية: الإذلال.
الإذلال ليس حدثًا عابرًا، بل خبرة تُعيد تشكيل الإنسان.
حين تُهان جماعة، أو تُسحق مدينة، أو تُسرق دولة أمام أهلها، يتكوّن طلب داخلي غير معلن:
أعيدوا لنا الهيبة.
وهنا ينجح الاستبداد في بيع بضاعته الأخطر:
أن يُقدِّم نفسه كـ دواء للذل.
فيصبح الدفاع عن العسكر — لدى بعض المدنيين — ليس حبًا في العسكر، بل محاولة لمحو الشعور بالعجز.
والعجز حين يطول، يتحوّل إلى غضب يبحث عن شكل.
وحين يعجز التنظيم المدني عن استيعابه، يميل الغضب إلى الشكل الأسهل: العنف.
هذه ليست خصوصية سودانية.
التاريخ مليء بمجتمعاتٍ مجروحة تحوّلت إلى “زبائن للقبضة” لأنها لم تجد من يردّ لها كرامتها بلغة السياسة.
انهيار المدنيين لا يصنع بديلًا… بل يصنع فراغًا
حين تنهار السياسة المدنية — أحزابًا ونقابات وتحالفات — لا يسقط فقط “خصم العسكر”،
بل يسقط المعنى الذي يجعل المدنيين جديرين بالقيادة.
الناس لا تعاقب المدنيين بالنقد فقط، بل بالانصراف.
وفي هذا الانصراف، تولد شرعية بديلة: شرعية من يستطيع.
في هذه اللحظة، يربح العسكر دون أن يقنعوا أحدًا نظريًا؛
يكفي أن يظهروا كخيار “أقل فوضى”، أو “أقرب إلى الحسم”.
المأساة أن المدنيين أنفسهم قد يساهمون في ذلك — دون قصد —
حين يعجزون عن تقديم:
حدّ أدنى من التنظيم،
لغة مشتركة،
برنامج واقعي،
وتواضع يعترف بالأخطاء.
فتصبح السياسة مرادفًا للضجيج،
ويصبح السلاح مرادفًا للفعل.
التماهي مع القوة: آلية دفاع نفسية
في علم النفس الاجتماعي، حين يتعرض الفرد أو الجماعة لتهديد مستمر، قد يظهر ما يشبه الانحياز إلى الأقوى كآلية دفاع.
ليس حبًا في الأقوى، بل هربًا من هشاشة الذات.
تخيّل إنسانًا يرى العالم كغابة:
في الغابة، يتشبث بالكائن الذي يظن أنه سيحميه، حتى لو كان هذا الكائن نفسه مخيفًا.
هكذا يصبح الدفاع عن عسكرة السياسة محاولة لخفض القلق الوجودي:
إذا كنا مع القوة، فلن تُسحقنا القوة.
لكن ثمن ذلك سياسيًا فادح:
إنتاج مواطن مستعد للتنازل عن الحق مقابل الأمان،
ثم يكتشف متأخرًا أن الأمان الذي اشتراه هشّ،
لأن الدولة التي تُدار بالخوف لا تعرف الاستقرار، بل تعرف التأجيل.
سردية “الخيانة العظمى”: حين يتحوّل النقاش إلى محكمة
في هذه الأيام، تنتشر لغة تقسّم المجتمع إلى معسكرين:
معنا/ضدنا، وطني/خائن، داعم/عميل.
لغة تبدو “قوية”، لكنها في الحقيقة علامة ضعف سياسي.
لأنها تعني أن أدوات الإقناع فشلت، فلجأت السلطة — أو من يتكلم باسمها — إلى التخويف.
هنا تصبح عسكرة السياسة “مقبولة” اجتماعيًا،
ويُصوَّر نقدها كتهديد للأمن،
ويُغلق الباب أمام أهم شرط لبناء دولة: المساءلة.
والدولة التي تُجرِّم السؤال،
ستُجرِّم الإنسان نفسه حين يعترض.
لماذا يفعلها مثقفون أيضًا؟
قد يُظن أن هذا الميل حكر على “البسطاء”، لكنه ليس كذلك.
حتى المثقفون قد ينزلقون إليه لأسباب مركبة:
الخوف من التفكك،
الخلط بين الدولة والنظام،
الرهان على أن “الاستثناء” سيبقى استثناءً،
أو اليأس من السياسة، وتبنّي منطق “الحد الأدنى من الشر”.
الحرب تجرح الجميع،
لكن أخطر جراحها أنها تُقنع الناس بأن الأخلاق والسياسة ترف،
وأن القوة هي الحقيقة الوحيدة.
الخلاصة الأصعب
الدفاع عن عسكرة السياسة ليس حجة… بل عرض لأزمة.
حين يفعل بعض المدنيين ذلك، فهم غالبًا لا يقولون: نريد ديكتاتورًا،
بل يقولون بلغة أخرى:
نحن خائفون.
نحن مُهانون.
نحن متروكون.
نحن لا نثق في قدرة السياسة على إنقاذنا.
وهذا يعني أن المعركة ليست ضد الناس، بل من أجل الناس:
أن تُستعاد السياسة بوصفها أداة نجاة أيضًا، لا مجرد خطاب.
نجاة تُصنَع بالتنظيم،
وبناء الثقة،
وإنتاج عقد جديد،
لا بتقديس القوة… ولا بتحطيمها.
في المقال القادم (٥):
كيف تُبنى شرعية مدنية في زمن مُسلّح؟
وكيف ننتزع الأمان من يد الخوف، ونردّه إلى يد القانون؟

التغيير

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات