سودان تمورو
كثيراً ما يُطرح السؤال في النقاشات السياسية والفكرية: لماذا تعادي الولايات المتحدة ما يسمى بالإسلام السياسي؟ لكن هذا السؤال، رغم شيوعه، يخفي قدراً من التبسيط الذي يضلل أكثر مما يفسر. فلو كانت واشنطن تعادي الإسلام السياسي كفكرة أو كمرجعية دينية، لما رأيناها تبني علاقات وثيقة مع دول أو حركات ذات مرجعية إسلامية مثل تركيا، ولما وجدت في تجارب معينة شريكاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. الحقيقة أن المسألة ليست في الدين ولا في الشعار الإسلامي بحد ذاته، بل في شيء أعمق بكثير: في فكرة الاستقلال.
الولايات المتحدة لا تخوض صراعاً مع الإسلام السياسي بوصفه هوية ثقافية أو دينية، بل مع تلك النسخة منه التي ترفع شعار الاستقلال الكامل عن الهيمنة الخارجية. فالتاريخ الحديث يكشف أن معيار الصداقة أو العداء في السياسة الأمريكية لا تحدده الأيديولوجيا بقدر ما تحدده درجة الارتباط بالمشروع الأمريكي في النظام الدولي. ولذلك يمكن لواشنطن أن تتحالف مع قوى ذات خطاب ديني ما دامت هذه القوى جزءاً من منظومة المصالح الغربية، لكنها تتحول إلى خصم شرس عندما يظهر مشروع سياسي يسعى إلى بناء استقلال اقتصادي وعلمي وتكنولوجي بعيداً عن رقابة الولايات المتحدة أو نفوذها.
من هنا يصبح السؤال الأدق: من هم الذين تعاديهم أمريكا فعلاً؟ الجواب ببساطة هو أن الولايات المتحدة تعادي، في المقام الأول، كل مشروع يرفع شعار الاستقلال الحقيقي. الاستقلال الذي لا يكتفي بالسيادة السياسية الشكلية، بل يمتد إلى بناء اقتصاد وطني، وصناعة محلية، وتكنولوجيا مستقلة، وقدرة علمية لا تمر عبر البوابات الأمريكية. فحين تقول دولة ما إنها تريد أن “تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع”، فإنها في الحقيقة تعلن خروجها من دائرة التبعية الاقتصادية التي يقوم عليها جزء كبير من النظام العالمي.
هذا هو الخط الأحمر الذي لا تحب واشنطن تجاوزه. فحين تكون الولايات المتحدة شريكاً في نهضة دولة ما، فإن تلك النهضة لا تكون مجرد تعاون متبادل، بل منظومة مصالح معقدة تضمن لواشنطن نصيبها من العوائد الاقتصادية والنفوذ الاستراتيجي. وفي كثير من الحالات، لا تمانع الولايات المتحدة أن تمتلك دول حليفة تكنولوجيا متقدمة، وحتى قدرات عسكرية حساسة، ما دامت هذه القدرات مرتبطة بنظام أمني تقوده واشنطن أو تخضع لرقابة مباشرة منها. في مثل هذه الحالات تصبح القوة المحلية امتداداً للقوة الأمريكية، لا بديلاً عنها.
ولذلك نجد أن بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة تمتلك قدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة، بل إن بعضها يمتلك مظلات ردع نووي أو ترتيبات أمنية متقدمة، لكن هذه القدرات تبقى ضمن منظومة استراتيجية أوسع تقودها واشنطن. وهنا لا يُنظر إلى تلك الدول بوصفها منافساً، بل بوصفها قاعدة متقدمة للمصالح الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم.
أما عندما تظهر دولة أو حركة سياسية تسعى إلى تطوير قدراتها العلمية والصناعية والتكنولوجية خارج هذا الإطار، فإن الأمر يصبح مختلفاً تماماً. فالاستقلال العلمي والتكنولوجي يعني، في نظر واشنطن، إمكانية ظهور قوة جديدة لا يمكن التحكم بها بسهولة. ومن هنا تبدأ الضغوط: عقوبات اقتصادية، حملات سياسية، حصار مالي، أو حتى صراعات جيوسياسية طويلة الأمد.
في هذا السياق يمكن فهم الكثير من المواجهات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية. فالدول أو الحركات التي رفعت شعار الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي كثيراً ما وجدت نفسها في مواجهة ضغوط دولية هائلة. فالمشكلة بالنسبة للنظام العالمي القائم ليست في الخطاب الديني أو الأيديولوجي بقدر ما هي في فكرة الاستقلال نفسها، لأن الاستقلال الحقيقي يعني تقليص مساحات النفوذ التقليدي للقوى الكبرى.
ولهذا السبب يصبح من الخطأ اختزال الصراع في كونه مواجهة بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي كمرجعية فكرية. فواشنطن لا تعارض الدين في حد ذاته، ولا تعارض حتى الخطاب الإسلامي السياسي إذا كان مندمجاً في النظام الدولي القائم. لكنها تتحسس بشدة من أي مشروع سياسي يربط بين الهوية الثقافية والاستقلال الاقتصادي والعلمي، لأن هذا الربط يفتح الباب أمام نماذج تنموية جديدة قد لا تمر عبر المؤسسات التي تهيمن عليها القوى الكبرى.
إن ما تخشاه الولايات المتحدة في نهاية المطاف ليس الشعار الديني، بل فكرة أن تنهض دولة أو حركة سياسية خارج منظومة النفوذ التقليدية، وأن تطور قدراتها دون أن تكون جزءاً من شبكة المصالح التي تديرها واشنطن. فمثل هذا النموذج، إذا نجح، لا يشكل مجرد حالة محلية، بل يصبح مثالاً يمكن أن تلهم تجربته دولاً أخرى تسعى إلى استقلال مشابه.
ولهذا السبب يمكن القول إن الصراع الحقيقي ليس صراعاً بين أمريكا والإسلام السياسي بقدر ما هو صراع بين الهيمنة والاستقلال. فحين يكون المشروع السياسي مندمجاً في المنظومة الدولية التي تقودها واشنطن، يصبح شريكاً مقبولاً مهما كانت مرجعيته الفكرية. أما حين يرفع شعار الاستقلال الكامل ويبدأ ببناء قدراته بعيداً عن تلك المنظومة، فإنه يتحول بسرعة إلى خصم يجب احتواؤه أو إضعافه.
في عالم تحكمه المصالح قبل الشعارات، لا يُقاس الموقف من الدول أو الحركات بما ترفعه من عناوين أيديولوجية، بل بما تمثله من موقع في ميزان القوة العالمي. ولهذا، فإن جوهر المواجهة لا يكمن في الدين أو السياسة بقدر ما يكمن في إمتلاك القرار المستقل ومفاتيح القوة.
