الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف كسر الإيرانيون لعنة الخضوع لثلاثة قرون؟.. بقلم سامية جمال الدين

كيف كسر الإيرانيون لعنة الخضوع لثلاثة قرون؟.. بقلم سامية جمال الدين

سودان تمورو

يقف الإيرانيون اليوم عند منعطف استثنائي يندر أن يجود به الزمن، حيث يجدون أنفسهم في موقع القدرة الفعلية على الذود عن استقلالهم وسيادتهم بقرار وطني خالص، في مشهد يكسر قاعدة تاريخية تجذرت لأكثر من ثلاثمائة عام من التبعية والارتهان. إن نظرة فاحصة على صفحات التاريخ المعاصر تكشف حقيقة مرة؛ إذ لم يجرؤ أي زعيم سياسي في تلك الحقب على الوقوف بندية وصلابة في وجه آلة الإمبريالية الغربية، بل كانت القاعدة الذهبية للقيادات السابقة تتلخص في تفضيل الهروب على المواجهة، وتسليم مقدرات البلاد ومصالحها الاستراتيجية لغزاة الخارج وقراصنة السياسة الدولية. والأخطر من تسليم الأرض والثروات، كان ذلك المنهج الخبيث في إفقار العقول وتسطيح الوعي الجمعي، ليصبح الاستسلام ثقافة، والخضوع حكمة.

ولعل من أشد إفرازات تلك الحقبة بؤساً، بروز شريحة تعتبر الهروب والمنفى والارتماء في أحضان العواصم الأجنبية شكلاً من أشكال “الوطنية” و”القومية الإيرانية”. إن هذا التناقض الصارخ يعكس أزمة “العقل المهزوم” الذي لا يكتفي بالانسحاب من المعركة، بل ينبري لابتداع نظريات وتنظيرات فلسفية تبرر الاستعمار وتشرعن الخضوع للهيمنة الأجنبية، محاولاً إقناع الجماهير بأن التبعية هي السبيل الوحيد للنجاة. تتجلى هذه الازدواجية الفكرية والسياسية في أوضح صورها حين نراقب المقاربات الغربية والمستغربة لمفاهيم المقاومة والتضحية، حيث تُساق الأمثلة بتهكم عن صمود شخصيات مثل نيكولاس مادورو، بينما يُطمس السؤال الجوهري الذي يفضح عوار هذه العقلية: لماذا يُعتبر صمود فولوديمير زيلينسكي في أوكرانيا، والذي جلب دماراً هائلاً وحول البلاد إلى ساحة رماد، “دفاعاً مقدساً” عن أوروبا وقيمها، بينما تُشيطن المقاومة في الشرق الأوسط وتُحرم من صفة القداسة، بل وتُتهم بجر الخراب إلى شعوبها؟

من هذه الزاوية الكاشفة، يمكن فهم ما يسطره الإيرانيون وحلفاؤهم اليوم؛ إنهم لا يخوضون مجرد صراع جيوسياسي عابر، بل يقدمون عرضاً تاريخياً متجدداً لمفهوم “الدفاع المقدس”، دفاعٌ لا يقف عند حدود الجغرافيا، بل يمتد لحماية الكرامة والقرار المستقل. وما يميز هذه المواجهة ويقلب كافة طاولات الحسابات المادية والاستخباراتية للمحور الغربي، هو طبيعة القيادة التي تدير هذه المعركة. فنحن لسنا أمام قادة يديرون الحروب من غرف محصنة في قارات أخرى، بل أمام قيادة مستعدة لملاقاة الشهادة وهي جالسة في منازلها، وسط عائلاتها وأحبائها. هذا الاستعداد الفطري للتضحية بالأنفس هو الشفرة التي يعجز “العقل المادي” الغربي عن تفكيكها؛ فالعقل المادي، الذي يقيس النصر بالخسائر والأرباح الدنيوية البحتة، لا يمتلك أي خوارزمية لاستيعاب قائد يتقدم نحو الموت باختياره ليعيش وطنه ومبدأه.

هذه العقيدة الفدائية ليست طفرة انفعالية، بل هي انعكاس عميق لما دأب فقهاء الشيعة على ترسيخه عبر التاريخ. لقد أثبتت هذه المدرسة الفقهية أن التضحية والدماء ليست مجرد طقوس عدمية، بل هي ركن أصيل في فلسفتهم السياسية والاجتماعية. إن الدم، في هذا الفقه الإستراتيجي، هو السلاح الأخير والأمضى، يُستدعى متى ما اقتضت الحاجة، ويُبذل بسخاء وبصيرة، ليس حباً في الموت، بل حماية للمصالح العليا للأمة، وضماناً لأمن الشعوب واستقرارها السيادي على المدى الطويل، في مواجهة مشاريع الاستلاب والتركيع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات