سودان تمورو
حين تصمت لعلعة الرصاص وتبدأ عجلة الدبلوماسية في الدوران، تندلع معركة أخرى لا تقل ضراوة عن ساحات القتال، هي “حرب السرديات” وصناعة الصورة. في عالمنا العربي، وكثيراً ما نراقب هذا المشهد من منطقتنا بعدسات التحليل الموضوعي، نلاحظ ظاهرة متكررة تثير حيرة المتابع البسيط؛ فبمجرد الإعلان عن أي اتفاق أو تسوية، تسارع كافة الأطراف المتصارعة إلى إصدار بيانات نصر رنانة، يدّعي فيها كل طرف أنه حقق “الانتصار المطلق” وسحق إرادة خصمه. لكن القراءة المتأنية لأبجديات التفاوض السياسي تخبرنا أن هذا التناقض الصارخ في البيانات ليس سوى انعكاس لقاعدة ذهبية تحكم غرف المفاوضات الحساسة: يجب أن تُصاغ المخرجات بطريقة قابلة لـ “البيع” للجمهور الداخلي، بحيث يشعر كل طرف بنشوة الانتصار، بينما تظل الحقيقة معلقة في مساحة رمادية بين الانتصار المطلق الوهمي والانتصار النسبي الواقعي.
لفهم هذه المفارقة، يجب إدراك أن النصوص الدبلوماسية والتوافقات نادراً ما تُكتب بلغة حاسمة وشفافة، بل تعتمد في الغالب الأعم على ما يُعرف في القاموس السياسي بـ “الغموض البنّاء” (Constructive ambiguity). هذا التكتيك يعني صياغة بنود فضفاضة ومطاطة أو متعددة الطبقات، تسمح لكل طرف باقتطاع ما يناسبه وتسليط الضوء على الرواية التي تخدم مصالحه، دون أن يكون النص الرسمي كاذباً بالضرورة. إنها لعبة ذكية تمنح المفاوضين طوق نجاة أمام شعوبهم، فتتحول الهزائم التكتيكية إلى انتصارات إعلامية بفضل مهارات التلاعب اللفظي.
المعضلة هنا تكمن في أن “إدراك الانتصار” أو الشعور به في الوعي الجمعي لا يتطابق بالضرورة مع التوزيع الحقيقي للمكاسب والتنازلات على طاولة التفاوض. قد يقدم أحد الأطراف تنازلات جوهرية وفنية كبرى ومؤلمة، لكنه يمتلك ماكينة إعلامية طاغية وقدرة فائقة على إدارة الأجندة الإخبارية، فيقوم بتضخيم بنود ثانوية لتبدو وكأنها مكاسب استراتيجية، مما يرسخ صورة “الفوز” المطلق في أذهان أنصاره. وفي المقابل، قد يخفق الطرف الذي حقق المكاسب الفعلية في تسويق إنجازه بسبب ارتباك خطابه الإعلامي، مما يؤكد أن ساحة الإعلام باتت قادرة على إعادة هندسة الواقع وتزييف موازين القوى في اللحظات الأولى التي تعقب أي اتفاق.
في نهاية المطاف، يبقى التقييم الحقيقي لمن رجحت كفته في ميزان القوى والمكاسب تقييماً بَعدياً لا يظهر في حرارة اللحظة. وحدها الأيام، ومع بدء سريان التفاصيل التنفيذية، وقراءة الملاحق الدقيقة، أو حتى تسريب الوثائق والبنود غير المعلنة، قادرة على كشف الحجم الحقيقي للانتصار النسبي الذي حققه كل طرف. في تلك اللحظة الباردة والمجردة من العواطف، يتنحى السياسيون بضجيجهم وخطاباتهم الحماسية، ليأتي دور المحللين والخبراء لفك شيفرة الأرقام والبنود، وتحديد من الذي فاز حقاً في صمت الغرف المغلقة، بعيداً عن أوهام الانتصارات المطلقة التي تُباع على شاشات التلفزة.
