سودان تمورو
ونحن نراقب من الخرطوم، وبمنظور معنيّ بتوازنات القوى في الشرق الأوسط، النقاشات الاستراتيجية الدائرة في أوساط المراقبين والمحللين الدوليين، نلحظ توجهاً متزايداً للتقليل من شأن إسلام آباد كخيار مطروح لأداء دور “المساعي الحميدة” أو الوساطة في أي مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. تتبنى أصوات العديد من هؤلاء المراقبين سردية تعتبر باكستان لاعباً ذا “وزن خفيف” في معادلات القوة الدولية، مفضلةً القفز مباشرة نحو “الأوزان الثقيلة” عبر دعوة بكين للتدخل واستخدام ثقلها كقوة عظمى للتفاوض مع واشنطن. بعيداً عن تقييم فرص نجاح إسلام آباد اليوم في فك العقدة الإيرانية-الأمريكية، فإن هذا الاستخفاف من قبل المراقبين يكشف عن حالة من الذاكرة الانتقائية التي تتجاهل حقيقة تاريخية ساطعة؛ وهي أن الفعالية الدبلوماسية لا ترتهن بالضرورة بالموقع الرسمي للدولة في هرم القوة الخشنة، بل تعتمد على القدرة الفائقة على بناء الثقة وإدارة هندسة الكواليس المعقدة.
ولعل أبلغ دليل على هذا الاستنتاج، هو الدور المحوري والمصيري الذي لعبته باكستان في واحدة من أعظم الاختراقات الدبلوماسية في القرن العشرين: التقارب التاريخي بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية مطلع السبعينيات. ففي تلك الحقبة التي رسمت معالم الحرب الباردة، يسند التاريخ الفضل الأكبر في هذا التحول الاستراتيجي إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر. ولكن، بالابتعاد قليلاً عن السردية الأمريكية المركزية والبحث في الميكانيزمات الحقيقية التي جعلت هذا التقارب ممكناً، تتجلى حقيقة لا تقبل الجدل: لم يكن لهذا الانفتاح التاريخي أن يرى النور لولا باكستان، التي لم تكن مجرد “ساعي بريد”، بل وسيطاً نشطاً وموثوقاً ومهندساً حاسماً لأولى الاتصالات السرية بين واشنطن وبكين.
لفهم عبقرية الدور الباكستاني، لا بد من العودة إلى المشهد الجيوسياسي المحتقن أواخر عقد 1960. في ذلك الوقت، تحول الخلاف الأيديولوجي بين الاتحاد السوفيتي والصين إلى عداء سافر واشتباكات حدودية، وهو ما التقطته واشنطن كفرصة ذهبية لتغيير توازن القوى في الحرب الباردة وزيادة الضغط الاستراتيجي على موسكو. في المقابل، كانت بكين، المثقلة بتداعيات “الثورة الثقافية” والمستشعرة لخطر الدب السوفيتي، تبحث عن طوق نجاة لكسر عزلتها الدولية. كانت المصلحة متبادلة، لكن جدار انعدام الثقة كان أعلى من أي رغبة سياسية؛ فغياب العلاقات الرسمية والتكلفة السياسية الباهظة لأي تواصل مباشر جعلا من التقارب درباً من المستحيل دون طرف ثالث استثنائي.
هنا برزت إسلام آباد كحجر الزاوية الذي يرتكز عليه هذا البناء الدبلوماسي المعقد. لقد امتلكت باكستان حينها تموضعاً مزدوجاً فريداً من نوعه؛ فهي من جهة، الحليف الوثيق لواشنطن والمستفيد من مظلتها الأمنية والاقتصادية عبر حلفي “سيتو” و”سنتو”، ومن جهة أخرى، الشريك الاستراتيجي الصاعد والموثوق لبكين بعد الحرب الصينية-الهندية عام 1962. هذه الثقة المزدوجة والنادرة هي ما جعل واشنطن وبكين تضعان أسرارهما الاستراتيجية الأكثر خطورة بين يدي الرئيس الباكستاني آنذاك، يحيى خان، الذي استجاب لطلب نيكسون وكيسنجر بتأسيس قناة تواصل خلفية وشديدة السرية.
لم تقتصر هذه الوساطة على تمرير الرسائل المشفرة بعيداً عن أعين الرأي العام والأطر الدبلوماسية التقليدية، بل بلغت ذروتها في تصميم وإدارة أجرأ عملية عبور دبلوماسي في ذلك القرن. ففي يوليو من عام 1971، وفي ذروة الحرب الباردة، استقبلت إسلام آباد هنري كيسنجر في زيارة رسمية، ليتم الإعلان فجأة عن إصابته بوعكة صحية تلزمه الفراش وتمنعه من إكمال جدول أعماله. وتحت غطاء هذا التمويه الباكستاني المتقن، استقل كيسنجر طائرة باكستانية في جنح السرية التامة متجهاً إلى بكين، ليجري أول لقاء رفيع المستوى بين البلدين منذ القطيعة عام 1949.
لقد أثبتت إسلام آباد من خلال هذه العملية براعة منقطعة النظير على ثلاثة مستويات: ضمان الأمن والموثوقية التامة، وتوفير التغطية اللوجستية والاستخباراتية الدقيقة، والحفاظ على ثقة قوى عظمى كان يكفي تسريب خبر لقائها السري لإشعال أزمات داخلية وعالمية، وربما استدعاء رد فعل سوفيتي كارثي. وكان الثمر المباشر لهذه الهندسة الباكستانية المتقنة هو زيارة نيكسون التاريخية للصين في فبراير 1972، وصدور “بيان شنغهاي” الذي لم يطوِ صفحة الخلاف الثنائي فحسب، بل أعاد تشكيل هيكل الحرب الباردة وخلق توازناً ثلاثياً جديداً منح واشنطن هوامش مناورة غير مسبوقة.
إن هذه السابقة التاريخية تقدم درساً بليغاً للعقل الاستراتيجي والمراقبين اليوم؛ فالأزمات المستعصية لا تحلها دائماً “الأوزان الثقيلة” التي تحمل أجنداتها التنافسية الخاصة، بل قد تكمن مفاتيح الحل بيد لاعب إقليمي يُنظر إليه كـ “وزن خفيف”، لكنه يمتلك من الثقة والديناميكية ما يكفي لفتح أبواب موصدة عجزت القوى العظمى عن طرقها.
