سودان تمورو
خلافاً للسردية الغربية السائدة، لم تكن الثورة في إيران عام ١٩٧٩ إعلاناً للحرب على أمريكا، بل كانت حدثاً داخلياً عميقاً أطاح بنظام كان يُعتبر حجر الزاوية في السياسة الأمريكية بالمنطقة. العداء لم يولد في طهران، بل في واشنطن التي رفضت الاعتراف بالواقع الجديد، وبدأت منذ اليوم الأول في التعامل مع الحكومة الثورية ليس كدولة ذات سيادة، بل كمشروع يجب احتواؤه ثم تقويضه. من هنا بدأت حكاية العداء الذي لم تختره إيران بقدر ما دُفعت إليه، حيث ابتكرت الولايات المتحدة الذرائع وتفننت في تصعيد الضغوط على مدار عقود، جابرةً طهران على البحث عن معادلة تضمن لها البقاء.
ولذلك كانت طهران مجبرة على ابتكار ادوات ردع للتعامل مع عدوها بكافة السبل.
لم تكن طهران بحاجة لاختراع العجلة لضبط السلوك الأمريكي؛ فالتجربة التاريخية منذ عام ١٩٤٩، حين أجرى الاتحاد السوفيتي أول تجربة نووية له، وضعت أمام العالم نموذجاً واضحاً. هو ذات النموذج الذي سارت على دربه لاحقاً قوى مثل الصين وبريطانيا وفرنسا، وحتى باكستان والهند وكوريا الشمالية بدرجات متفاوتة. هذه الدول لم تكن تسعى لامتلاك سلاح في حد ذاته، بل كانت تدخل في “صيغة ردع” استراتيجية، هدفها الأسمى هو منع أي قوة عظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من توجيه ضربة قاصمة لها.
هذه الصيغة، وعلى عكس ما هو شائع، ليست مجرد إنجاز تكنولوجي، بل هي منظومة متكاملة من ثلاثة أركان أساسية: أولاً، القدرة على فرض تكلفة باهظة ومستحيلة القبول على الطرف المعتدي. ثانياً، جعل هذه التكلفة ذات مصداقية عالية عبر استعراض الإرادة والقدرة الفعلية على استخدامها. وثالثاً، إدارة الأزمات بأسلوب يجعل الخصم يقتنع تماماً بأن توجيه أي ضربة لن يحقق له مكاسب، بل قد يهدد منظومته واستقراره الذي يسعى للحفاظ عليه. ولهذا السبب تحديداً، شهدنا منذ منتصف القرن الماضي تحولاً جذرياً في سلوك واشنطن تجاه أي قوة نجحت في الدخول ضمن هذا الإطار.
تلك الصيغة ذاتها كانت متاحة ومفهومة بالنسبة لإيران. لكن للأسف، أُهدرت فرصة ذهبية قبيل التصعيد الأخير الذي شهدناه، فرصة كانت كفيلة بنقل المعادلة نحو وضع أكثر استقراراً وأقل خطورة. في تلك المرحلة، كان من الممكن رفع تكلفة أي مغامرة عسكرية أمريكية بشكل حاسم، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة ومكلفة للجميع. كان ذلك هو جوهر الجمع بين الردع الحقيقي وإدارة الأزمات بحكمة.
إن ضياع تلك الفرصة تسبب في خروج المعادلة عن نطاق “السيطرة المحسوبة”، لتدخل المنطقة في طور من التقلبات الحادة والسيناريوهات المفتوحة، وضع أوصلنا قبل أسابيع قليلة إلى مرحلة أصبح فيها حتى التهديد بالقصف النووي جزءاً من الخطاب المتداول. وهكذا، تكون الولايات المتحدة قد نجحت في “صناعة عدوها” ودفعته دفعاً نحو مسار لم يكن يرغبه بالضرورة، لكنه بات يراه الطريق الوحيد للنجاة في وجه ضغوط لم تتوقف يوماً.
