سودان تمورو
في عالم تحكمه لغة القوة الغاشمة وتتلاشى فيه قيمة المعاهدات أمام موازين الردع، تبدو القراءة المتأنية للمشهد النووي الإقليمي ضرورة ملحة لنا في العالم العربي. تشير أحدث التقديرات إلى حقيقة استراتيجية غير مسبوقة؛ فإيران تمتلك اليوم من اليورانيوم ما يكفي لإنتاج ما بين عشرات إلى 100 رأس نووي، إذا ما اتخذت قيادتها القرار السياسي بالعبور نحو التسلح. نحن نتحدث هنا عن ترسانة كامنة تتجاوز في حجمها الافتراضي التقديرات المتداولة للترسانة النووية الإسرائيلية، التي لطالما هددت أمننا القومي واستباحت المنطقة دون حسيب أو رقيب دولي.
هذه المعطيات تضعنا أمام مفارقة جيوسياسية صارخة تكشف عوار النظام العالمي وازدواجيته. للمراقب أن ينظر إلى النموذج الباكستاني كحالة دراسة كاشفة؛ لقد اتخذت إسلام آباد القرار الصعب، وصنعت سلاحها النووي، وأجرت تجاربها وتحدت العالم. وما الذي حدث بعد ذلك؟ غضب دولي مؤقت، ثم تسوية سريعة، وغفران سياسي واقتصادي في غضون سنوات قليلة. واليوم، تندمج باكستان في النظام المالي والاقتصادي العالمي كأمر واقع لا جدال فيه، بل وتواصل بناء أسرع ترسانة للأسلحة النووية التكتيكية في العالم دون أن تتعرض لحصار خانق يمس قوت شعبها أو لمحاولات إسقاط نظامها.
على النقيض تماما، تقف الحالة الإيرانية لتقدم درسا قاسيا في ما يمكن تسميته “خطيئة الالتزام”. فرغم أن طهران لم تصنع القنبلة النووية، وظلت باقية تحت مظلة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، إلا أن المكافأة التي تلقتها كانت عقودا من العقوبات الاقتصادية المدمرة، والعمليات التخريبية، والتلويح المستمر بشن حملات عسكرية، ناهيك عن المحاولات الدؤوبة والمكشوفة لتغيير نظامها السياسي. بصفتي مراقبا مصريا يعي جيدا تعقيدات صراع القوة في الشرق الأوسط، أرى أن الرسالة التي يبعث بها الغرب واضحة وخطيرة: النظام الدولي لا يحترم سوى من يكسر قواعده ويفرض هيبته بقوة الردع الشامل، في حين أن الالتزام بالمعاهدات وانتظار الإنصاف الدولي لا يجلب سوى الاستباحة الدائمة. إنها خلاصة استراتيجية قد تجعل من صناعة القنبلة، عاجلا أم آجلا، الخيار العقلاني الوحيد للبقاء.
