الأحد, مايو 3, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهندسة الانفجار الاجتماعي ومقصلة "الضغوط القصوى"!.. بقلم سعد الدين عطية الله

هندسة الانفجار الاجتماعي ومقصلة “الضغوط القصوى”!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

يبدو أننا نقف اليوم أمام الفصول الختامية والأكثر خطورة من حملة “الضغوط القصوى” المفروضة على إيران. ولعل القراءة المتأنية والمجردة لمسار هذه العقوبات منذ يومها الأول، تكشف لنا زيف السردية القائلة بأن الهدف هو “تغيير سلوك النظام”. فالواقع الميداني والجيوسياسي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهندسة الحقيقية لهذا الحصار لم تكن تستهدف أروقة السلطة في طهران، بل كانت مصممة بدقة وعناية لخنق الشعب الإيراني، وتفتيت قوام نسيجه الاجتماعي، ودفعه قسراً نحو حافة الانفجار والنزول إلى الشوارع.

من هذا المنظور الواسع، لا يمكن قراءة الحصار البحري المفروض وأزمة انهيار العملة المحلية كأحداث اقتصادية عابرة أو مجرد تداعيات تقليدية للعقوبات. بل يجب فهم الحالة الإيرانية الراهنة في إطارها الصحيح كـ “حرب اقتصادية شاملة” وحصار هجين ومُركّب. إن تضييق الخناق على شرايين الحياة الأساسية، بدءاً من صادرات النفط وحركة النقد الأجنبي، مروراً بشلّ القطاع المصرفي وشركات التأمين، وصولاً إلى استهداف خطوط الملاحة والتجارة الخارجية، لا يعمل في فراغ؛ بل يتزامن مع آلة حرب نفسية شرسة وعمليات صناعة أزمات إعلامية لا تتوقف. الهدف هنا يتجاوز بكثير مسألة إجبار طهران على تغيير سلوكها الدبلوماسي أو تقديم تنازلات في ملفاتها الإقليمية والنووية، الهدف الاستراتيجي الأعمق هو نقل ثقل الضغط بشكل مباشر من كاهل الدولة إلى يوميات المجتمع. المطلوب هو كيّ وعي المواطن العادي، وجعله يشعر بالعجز الكامل، والاستنزاف اليومي، والغضب المتراكم، حتى تتآكل ثقته بمؤسساته وتتحطم روابطه الاجتماعية والاقتصادية.

في ظل هذه العاصفة العاتية، لم يعد الصمت خياراً متاحاً أو تكتيكاً مقبولاً من قِبل الحكومة والنظام السياسي في إيران. إن إدارة الأزمات الكبرى تتطلب مكاشفة حقيقية؛ فالمواطن الذي يتابع الشأن الإيراني عن كثب يجب أن يعرف حجم العبء الذي تتعرض له البلاد التي أحبها، والسيناريوهات المفتوحة التي تنتظرها. على صانع القرار هناك أن يخرج من قوقعته ليوضح للشارع خططه الفعلية لمواجهة الحصار والمؤامرات. إن المصارحة في أوقات الحروب الاقتصادية ليست علامة ضعف أو انكشاف كما يتوهم البعض، بل هي الأداة الأقوى والأكثر فاعلية للحفاظ على التماسك الوطني وبناء حائط صد داخلي.

وبالتوازي مع مسؤولية الدولة، يقع على عاتق النخب والطبقة السياسية الإيرانية بمختلف أطيافها أن ترتقي إلى مستوى اللحظة الحرجة. هذا التوقيت الاستثنائي ليس ساحة مناسبة للمهاترات السياسية. إن مجتمعاً يرزح تحت وطأة حصار اقتصادي خانق، يحتاج قبل كل شيء إلى خطاب يبعث على الطمأنينة، ويقدم شروحات دقيقة، ويتبنى قرارات مسؤولة تعيد بناء جسور الثقة. وفي هذا المنعطف الحرج، يجب أن يدرك الساسة هناك أن كل تصريح غير محسوب، وكل صراع داخلي عبثي، لن يكون مجرد خطأ سياسي، بل سيتحول تلقائياً إلى خنجر إضافي يضاعف من قسوة الحصار، وجزء لا يتجزأ من منظومة الضغط الممارسة على رقاب الإيرانيين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات