السبت, مايو 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهرمز في قبضة طهران!.. بقلم رعد الناصري

هرمز في قبضة طهران!.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو

بعد قرابة شهرين من التيه والانتظار وسط مياه الخليج، تمكنت أخيراً ناقلة نفط خام يابانية الملكية وترفع علم بنما من العبور بأمان عبر مضيق هرمز في أواخر أبريل/نيسان الماضي. كانت الناقلة تحمل نحو مليوني برميل من النفط السعودي، لكن عبورها اليتيم هذا لا يعكس بأي حال تراجعاً في القبضة الإيرانية، بل يمثل تجلياً صارخاً لنظام ملاحة بحري جديد فرضته طهران تدريجياً خلال حرب رمضان، رداً على الحصار الأميركي لموانئها. وفي المقابل، لا تزال أكثر من 150 ناقلة نفط أخرى عالقة في المنطقة، تنتظر رحمة القواعد الإيرانية الصارمة التي أعادت رسم خارطة النفوذ في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

اليوم، لم يعد هناك أي ضمان لعبور السفن التجارية من هذا المضيق الاستراتيجي، ما لم تذعن للمسارات الجديدة التي حددتها طهران والتي تمر حصراً عبر مياهها الإقليمية. ورغم المساعي الدبلوماسية الحثيثة لدول حليفة لإيران أو مرتبطة بها اقتصادياً مثل الهند واليابان وباكستان، إلا أن هذه الترتيبات أثبتت هشاشتها، حيث تواجه سفن هذه الدول صعوبات جمة في الخروج منذ منتصف أبريل. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن صادرات النفط من جنوب العراق، والتي كانت تتجاوز ثلاثة ملايين برميل يومياً قبل اندلاع الأزمة، أُصيبت بشلل شبه تام، وبقيت السفن الحاملة للنفط العراقي في حالة من التخبط رغم وعود الإعفاء. وفي حين تلجأ بعض السفن إلى مغامرات محفوفة بالمخاطر عبر إطفاء أنظمة التتبع الآلي (AIS) للعبور خلسة، تظل هذه التكتيكات استثناءات خطرة لا يمكن الاعتماد عليها.

لقد أحدثت هذه السيطرة الإيرانية صدمة غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية. ووفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن تراجع صادرات النفط الناجم عن هذه الأزمة بلغ رقماً كارثياً يتجاوز 13 مليون برميل يومياً، وهو عجز يستحيل تعويضه بسهولة في ظل محدودية المصادر البديلة والتنافس الشرس عليها. فرغم الزيادة الطفيفة في صادرات النفط الأميركية، واستخدام السعودية والإمارات لخطوط أنابيب بديلة، إلا أن سعة هذه البدائل لا تقارن بحجم التدفق الذي كان يمر عبر هرمز، والبالغ نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط والمكثفات، ناهيك عن تعطيل إمدادات الغاز الطبيعي المسال الذي يمثل 20% من المعروض العالمي ويمر حصراً عبر المضيق. وقد انسحبت تداعيات هذا الخنق الاستراتيجي على الاقتصاد العالمي بأسره، لتضرب قطاعات النقل والطيران والزراعة والصناعة.

أمام هذا المشهد، يتكشف حجم صراع الإرادات؛ فحركة الملاحة التي كانت تشهد عبور نحو 50 ناقلة يومياً، تهاوت لتسجل عبور ثلاث سفن فقط في بعض الأيام. ويبدو أن طهران مصممة على استخدام هذه الورقة للرد على التحركات البحرية الأميركية التي استهدفت سفنها، لتضع العالم أمام معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد. وحتى لو لاح في الأفق اتفاق سياسي لفتح المضيق، فإن العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً تبدو درباً من الخيال. لقد نجحت إيران في نسف المفهوم التقليدي لـ “حرية الملاحة”، وأعادت صياغة الأمن البحري الإقليمي وفق شروطها، مؤسسةً لنظام ملاحة جديد باتت فيه مفاتيح مضيق هرمز، بشكل أو بآخر، في الجيب الإيراني.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات