الأحد, مايو 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالمطلوب.. وصيف بالذكاء الاصطناعي!.. يوسف محمد الحسن

المطلوب.. وصيف بالذكاء الاصطناعي!.. يوسف محمد الحسن

سودان تمورو

لم يكن الهلال والمريخ يومًا مجرد ناديين عابرين في ذاكرة الرياضة السودانية، بل كانا القطبين اللذين دارت في فلكهما الكرة السودانية لعقود طويلة، وصنعا معًا أعظم فصول الندية والإثارة داخل المستطيل الأخضر. فالقمة لم تكن مباراة عادية تُلعب ثم تُنسى، وإنما حالة خاصة صنعت وجدان الجماهير، وكتبت تاريخًا ممتدًا من التنافس المشروع، حيث يبدع الهلال فيرد المريخ، ويتفوق الأحمر فيعود الأزرق أقوى، لتظل المنافسة بينهما وقودًا دائمًا لتطور الكرة السودانية وبريقها.
لكن المؤسف حقًا أن هذا الإرث الكبير بدأ يفقد شيئًا من ملامحه في السنوات الأخيرة، بعدما اختار المريخ أن يتخلى تدريجيًا عن شخصيته المستقلة كمنافس يصنع طريقه بنفسه، ليتحول إلى مجرد متابع لتحركات الهلال، يراقب خطواته ثم يسارع إلى تقليدها بصورة تكاد تكون حرفية، فأصبحت الصورة الحالية واضحة بصورة لا تحتاج إلى كثير شرح؛ الهلال يبتكر ويقود المشهد، بينما يكتفي المريخ بردة الفعل ومحاولة النسخ، حتى بدا وكأن الأصل يتحرك، فيما ياتي الظل خلفه متأخرًا دائمًا بخطوة.
ولو تأملنا المشهد جيدًا سنجد أن الأمر لم يعد مجرد مصادفات متفرقة، بل تحول إلى نهج كامل، فعندما اختار الهلال إدارة ملف التسجيلات بسرية وهدوء، لم تمضِ فترة طويلة حتى خرج المريخ متبنيًا ذات الأسلوب، وحين فضّل الهلال الابتعاد عن الضجيج الإعلامي والتركيز على العمل بهدوء، وجدنا المريخ يسير في الاتجاه نفسه وكأن القرار الأزرق بات مرجعًا إداريًا غير معلن.
وحتى في ملف الأجهزة الفنية، ما إن غيّر الهلال مدربه حتى اندفع المريخ إلى ذات الطريق، وكأن المطلوب فقط ألا يبتعد عن خط سير الهلال مهما كانت الظروف أو الفوارق.
الأمر تجاوز ذلك إلى تفاصيل أكثر دقة؛ الهلال يعسكر فيتحرك المريخ لمعسكر مشابه، والهلال يغلق ملفاته الإعلامية فيسارع المريخ إلى إغلاق أبوابه، والهلال يخطط لاي موضوع فيأتي التقليد على عجل، لتبدو الصورة في النهاية وكأن أحدهما يصنع الفكرة، بينما الآخر يكتفي بإعادة إنتاجها بصورة أقل جودة وأضعف تأثيرًا.
والمشكلة هنا ليست في الاستفادة من تجارب المنافس، فذلك أمر طبيعي في كرة القدم، وإنما في غياب الهوية الخاصة، وتحول التقليد إلى سياسة دائمة بدلاً من أن يكون مجرد اجتهاد.
ولعل أكثر ما يجعل هذه الصورة مثيرة للشفقة، أن المريخ لم يعد فقط بعيدًا عن منافسة الهلال على القمة، بل أصبح في كثير من المحطات عاجزًا حتى عن تثبيت نفسه وصيفًا حقيقيًا يملك هيبة المطاردة واستقرار النتائج، فالفجوة التي اتسعت مؤخرًا لم تعد مجرد فارق نقاط أو بطولة، وإنما فارق مشروع كامل، وفارق عقلية تعرف ماذا تريد وأخرى لا تزال تبحث عن نفسها في مرآة الآخرين.
ولهذا جاءت فكرة الوصيف (بالذكاء الاصطناعي) كتعبير عن واقع يدعو للشفقة، لأن المنافسة الحقيقية لا تُصنع بالتقليد، ولا تُدار بردود الأفعال، بل تُبنى بالشخصية والقدرة على الابتكار وصناعة الفارق.
والمفارقة الأكثر قسوة، أن هذا النهج لا يهدد فقط صورة المريخ كنادٍ كبير صاحب تاريخ وجماهيرية، بل يهدد كذلك قيمة التنافس نفسه لأن الجماهير لا تريد نسخة وأصلًا، ولا تبحث عن صدى صوت، بل تريد صراع أفكار وشخصيات ومدارس مختلفة، تريد منافسًا يفرض عليك احترامه لأنه يملك مشروعه الخاص، لا لأنه يراقبك جيدًا. فالهلال حين يتقدم لا يفعل ذلك فقط بالإمكانات، بل أيضًا بعقلية المبادرة وصناعة الفكرة، بينما يبدو المريخ اليوم وكأنه يكتفي بدور المتلقي الذي ينتظر ما يفعله الهلال ليقرر بعدها ماذا سيفعل.
وإذا استمر الحال بهذه الصورة، فقد يأتي يوم يجد فيه الهلال نفسه مضطرًا للبحث عن وصيف جديد يعيد للبطولة طعمها الحقيقي، وربما لن يجد وقتها سوى وصيف يعمل بالذكاء الاصطناعي، مبرمج بعناية ليخلق بعض الإثارة المفقودة، بعدما غابت حرارة التنافس الحقيقي وسط زحام التقليد والنسخ المتكرر.
كرة القدم السودانية تحتاج اليوم إلى منافسة تُصنع بالعقول لا بالملاحقة، وبالابتكار لا بالاستنساخ، لأن التاريخ لا يحفظ أسماء المقلدين مهما اجتهدوا، بينما يبقى دائمًا لمن يملك الجرأة على صناعة طريقه بنفسه.

باص قاتل:

الدنيا جارت.. حتي الوصافة طارت!!.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات