سودان تمورو:
في خضم أزمة جيوسياسية حادة وهدنة هشة بين واشنطن وطهران قد تنهار في أي لحظة لتشعل مواجهة جديدة، جاء إعلان استقالة تولسي غابارد من منصبها كمديرة للاستخبارات الوطنية الأمريكية ليثير زوبعة من التساؤلات. ورغم أن غابارد تذرعت بظروف قاهرة تتعلق بإصابة زوجها بمرض السرطان، إلا أن القراءة المتأنية لكواليس الإدارة الأمريكية تشير إلى أن هذا العذر لم يكن سوى غطاء دبلوماسي لانسحاب أو “إقالة مقنعة”، فرضتها خلافات متجذرة وعميقة مع إدارة ترامب وصقورها، وتصدعات خطيرة داخل بنية الأجهزة الأمنية نفسها.
ولفهم جذور هذا الصدام، لا بد من تفكيك الخلفية السياسية المعقدة لغابارد؛ فهي لم تكن يوماً ابنة شرعية للتيار المحافظ التقليدي. مسيرتها التي بدأت كعضوة ديمقراطية معتدلة في مجلس النواب حتى عام 2022، ثم سياسية مستقلة حتى 2024، قبل أن تقفز إلى مركب الجمهوريين وحملة ترامپ، جعلتها تغرد خارج السرب في الكثير من ملفات السياسة الخارجية. فمقارنة بجمهوريي ترامب، بدت غابارد شديدة التشدد في الملف الروسي، بينما ظهرت في نظر المحافظين الجدد كشخصية تميل إلى المهادنة والمساومة عندما يتعلق الأمر بالملف الإيراني، وهو التباين الذي شكل أولى لبنات الشقاق.
لقد مثل الملف النووي الإيراني نقطة اللاعودة في علاقة غابارد مع ترامب. فقبيل اندلاع “حرب الاثني عشر يوماً”، أطلقت غابارد تصريحاً زلزل أروقة البيت الأبيض حين أكدت أن طهران لا تسعى لبناء سلاح نووي، وهو ما أثار غضباً عارماً لدى الرئيس، وبدا واضحاً منذ تلك اللحظة أن ترامب بدأ يشكك في ولاء مديرته للاستخبارات، ليتم تهميشها تدريجياً في دوائر صنع القرار. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، ففي جلسة استماع أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ قبل أسبوعين، وجهت غابارد صفعة جديدة لخطاب الإدارة، حين صرحت بأن إيران، وعقب عملية “مطرقة منتصف الليل”، لم تقم بإعادة بناء برنامجها النووي بل إن هذا البرنامج قد مُحي تماماً. هذا التقييم نسف بشكل مباشر السردية التي كان يروج لها ترامب لتبرير الضربة، والتي زعم فيها أن إيران كانت ستنتج سلاحاً نووياً في غضون أسابيع لولا التدخل الأمريكي المسبق.
بهذه التقييمات الاستخباراتية الجريئة، تحولت غابارد إلى حجر عثرة في طريق صقور الحرب داخل الإدارة. ومن غير المستغرب أن تجد نفسها مدفوعة نحو باب الخروج عشية احتمالات توجيه ضربة أمريكية واسعة النطاق لإيران. فبصفتها المسؤولة الأولى عن تقديم الإحاطات الاستخباراتية للرئيس، كان من المرجح أن تقاريرها شكلت إزعاجاً بالغاً لترامب وللجناح المتعطش للتصعيد أمثال ماركو روبيو وبيت هيغسيث، في وقت يشهد فيه الأخير صراعات مريرة مع جي دي فانس حول تقارير الحرب. وقد تبدى هذا العداء لغابارد بوضوح عندما انتقدها مارك ليفين، مذيع شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز المحرضين على الحرب، متهماً الاستخبارات الأمريكية تحت إدارتها بالانحراف عن مسارها، وذلك رداً على فيديو سابق لها حذرت فيه من مساعي دعاة الحرب في واشنطن لافتعال أزمات بين القوى النووية. ويبقى من الوارد جداً أن غابارد اختارت الاستقالة لتغسل يديها من دماء حرب جديدة محتملة ضد إيران، مقتفية أثر جو كينت، الرئيس السابق لمركز مكافحة الإرهاب.
وبعيداً عن البيت الأبيض، كانت هناك حرب استنزاف أخرى تخوضها غابارد في الظل ضد وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومديرها جون راتكليف. هذه التوترات تحولت إلى عداء صريح بعد قرارات مثيرة للجدل اتخذتها غابارد، أبرزها تسريب اسم ضابط سري في الوكالة ضمن قائمة لمن سُحبت تصاريحهم الأمنية، فضلاً عن نشرها وثائق حساسة تتعلق بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، مما أشعل حالة من التذمر والتمرد المؤسسي داخل الوكالة.
وقد بلغت هذه الحرب الاستخباراتية الباردة ذروتها مؤخراً، حين كشفت المراسلة كاثرين هيريدج عن قيام وحدة تحقيقات تابعة لـ CIA باستدعاء عدة أعضاء من “مجموعة مبادرات المديرة” التابعة لغابارد للتحقيق، في توقيت مريب لا يمت بصلة للإجراءات الروتينية للمراجعات الأمنية. هذا التحرك، الذي تزامن مع شهادة المبلّغ عن المخالفات في الوكالة، جيمس إردمان، أمام مجلس الشيوخ بأن الـ CIA تقوم بالتجسس على موظفي إدارة الاستخبارات الوطنية، كشف عن حجم العفن والانقسام داخل المنظومة الأمنية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة استقالة تولسي غابارد عبر عدسة الظروف العائلية العابرة؛ بل هي النتيجة الحتمية لصدام إرادات معقد. لقد وضعت مواقفها المغايرة بشأن إيران وروسيا ورفضها للانزلاق نحو الحرب في مواجهة مباشرة مع آلة التصعيد العسكري في واشنطن، بينما أدت حروبها الداخلية وتسريباتها إلى حرق جسورها مع الدولة العميقة ووكالة الاستخبارات المركزية. هي نهاية متوقعة لسياسية حاولت السباحة ضد تيار مارد الاستخبارات وصقور البيت الأبيض، فكان أن لفظتها المنظومة قبل أن تبدأ الحرب جولة جديدة.
