الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيردا على مقال د. اماني الطويل  : مصر بين الالهام والهيمنة .....

ردا على مقال د. اماني الطويل  : مصر بين الالهام والهيمنة .. ✍️أسامة عبد الحليم


سودان تمورو
د. أماني، تحية طيبة
أتفق معك أن السجال مُرهق، وأن الهوية لا تُبنى بالشتائم. لكن مقالك يفترض أن إشكالية الخطاب السوداني هي أزمة هوية فقط، ويتجاهل أن هناك أزمة سلوك مصرية حقيقية هي التي تصنع ردة الفعل.

أولاً: عن أي مصر نتحدث؟
حين يهتف مصريون في الشارع (اطردوا السودانيين)، وحين تُغلق المدارس أبوابها في وجه أطفال لاجئين، وحين تتحول منصات كاملة إلى منابر عنصرية ضدنا، ف(ـمصر الشعب) هنا ليست مصدر إلهام بل مصدر أذى. والدولة التي تصمت على هذا الخطاب، أو توظفه أحياناً، لا يمكن فصلها عن (مصر الدولة). الإلهام لا يُدار بكتائب إلكترونية، ولا يُبنى على كراهية الجار.

الكاتبة تعلم أن في مصر تياراً متنامياً من الفاشية الجديدة يثير ضجيجاً عالياً من الرداءة والشتائم والعنصرية. هذا التيار تحديداً لا يمتلك القدرة الفكرية لهضم خطاب أكاديمي عن(أي مصر نقصد). لذلك أعتقد أن الخطاب موجه للخارج، ويحاول تحميله وزر الصراع.

ثانياً: وهم التجانس ضد واقع التعدد
تطرحين تجربة مصر في (الانتقال من القبيلة للدولة) كنموذج. لكن التجانس المصري النسبي لم يأتِ من فراغ، بل من مركزية عمرها 5000 سنة، ونيل واحد، وتهجير للنوبة 1964، وتعريب ممنهج. السودان نيلين، 5 أقاليم مناخية، 570 قبيلة. المقارنة ظالمة.

لم يتشكل السودان كدولة واحدة بسبب التعددية، ولم تتشكل مصر كدولة واحدة بسبب غياب التعددية. هناك فشل واضح في إدارة التنوع صاحبه غياب عدالة في توزيع السلطة والثروة. هذه حقائق. التعدد شكل إثراءً ثقافياً ووطنياً في دول كثيرة كالهند وسويسرا. المشكلة ليست في التعدد، بل في إدارة التعدد.

ثالثاً: الحضارة لا تلغي الحقوق
الكاتبة تنسى أن السودان أيضاً صاحب حضارة. الحضارة النوبية سبقت تاريخياً نشأة الدولة المصرية القديمة، واستمرت في حال من التلاقح والتبادل والحروب، وتجاوزت عصر الأسرات. ظلت هناك كيانات سياسية تجمع السودانيين حتى نهاية دولة الفونج في القرن التاسع عشر، ثم المهدية، ومن ثم دولة الاستعمار.

نحن لا نبحث عن (أب حضاري). نبحث عن شريك ندّي. الإنجاز الحقيقي كما قلتِ هو ما نفعله في حاضرنا، وليس ماضينا. والتاريخ لا يمنح صك غفران لسياسات اليوم.

رابعاً: شروط الإلهام الحقيقي
السودانيون قادرون على الوصول إلى مرحلة يجلسون خلالها في مؤتمر دستوري يتفقون فيه على شكل الحكم وكيفية توزيع السلطة والثروة وتوفيق أوضاع الأقليات عبر حقوق المواطنة.

لكنهم قطعاً لن يقبلوا أبداً أسطورة (المصري الأفضل) الذي يمكنه أن يشتم ويتعنصر ويضطهد ويطرد ويتهم. بالعكس، السوداني يسعده جداً أن يتقدم المصري ويتنافس معه منافسة شريفة لخدمة البلدين. السوداني لن يقبل الإساءة ولن يصدق أن الدولة المصرية عاجزة عن إيقاف الحملات الشعبية ضده.

لا يمكن الحديث عن (إلهام) بينما:
حلايب محتلة وترفضون التحكيم الدولي.
النيل تُدار حصته باتفاقيات 1959 التي وقعها عبود تحت الضغط
والسودان اليوم يريد حقه العادل.
ولا يمكن اشتراط تطابق موقف السودان مع موقف مصر من إثيوبيا.
الاقتصاد يُختزل في أن نكون مصدر الخام الأول لمصر.
الكرامة تُنتهك يومياً بخطاب استعلائي.

العلاقة بين مصر والسودان بالتعريف الشامل ما هي مصر أو ما هو السودان لن تستمر إذا كان السودان مصدر الخام الأول لمصر. ولن تستمر دون اعتراف مصر بحقوق السودان في النيل، وقبولها بالتحكيم لحل مشكلة حلايب. وإلا فإن مصر ستخسر الكثير.
ما يحتاجه هذا الفضاء خطاب ناضج يستطيع أن يتناول السياسة بنقد موضوعي ويتناول الحضارة بتقدير واجب. والأهم أن يدرك أن السؤال الحقيقي ليس هل تهيمن مصر؟
بل كيف يمكن لمصر والسودان أن ينتجا معاً نموذجاً للتكامل الإقليمي الحقيقي؟
دون استعلاء. ولا تبعية.
احترامي

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات