الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان.. بين تآكل الدولة واستدامة الحرب

السودان.. بين تآكل الدولة واستدامة الحرب

سودان تمورو:

لم تكن حرب 15 أبريل/نيسان 2023 مجرد انفجار أمني عابر في العاصمة الخرطوم، ولا حادثة اشتباك محدودة يمكن احتواؤها، بل مثلت لحظة انهيار شامل لبنية الدولة السودانية. فما بدأ بإطلاق نار متبادل في محيط المدينة الرياضية وبيت الضيافة تحول سريعا إلى زلزال سياسي وأمني امتد أثره إلى كل أنحاء البلاد، مخلفا واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم خلال السنوات الأخيرة.

وبعد 3 أعوام، يدخل السودان عامه الرابع من الحرب دون أفق واضح لنهاية قريبة. فالصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحول إلى حالة استنزاف مفتوحة تتبدل فيها السيطرة على مدن مدمرة دون أن يحقق أي طرف حسما نهائيا، أو يظهر استعدادا حقيقيا للتراجع. إنها حرب بلا منتصر، لكنها أيضا بلا مهزوم، وذلك أخطر ما فيها.

دوليا، بدا التعاطي مع الأزمة دون مستوى الكارثة. فرغم الأرقام الصادمة للضحايا والنازحين، ظل الحضور الدولي محدودا، وأقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلها

في بداياتها، أحاطت بالحرب روايات متضاربة حول “الطلقة الأولى”، وسادت تقديرات متفائلة بإمكانية حسمها خلال ساعات أو أيام. غير أن تلك التوقعات سرعان ما تهاوت، لتحل محلها حرب طويلة أكلت مؤسسات الدولة، وأعادت تشكيل الجغرافيا السياسية للسودان. واليوم يبدو المشهد أقرب إلى حالة “تفكك إداري” غير معلن، حيث تتوزع مناطق النفوذ بين أطراف متعددة، في صورة تستحضر تجارب الانقسام التي شهدتها دول أخرى في الإقليم.

سياسيا، لم تكن القوى المدنية بعيدة عن هذا الانسداد، بل ساهمت بشكل أو بآخر في تعقيده. فقد فشلت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في بناء جبهة موحدة قادرة على كبح جماح العمل العسكري أو فرض مسار سياسي بديل. وبين من رأى في الحرب فرصة لتصفية إرث النظام السابق، ومن اعتبرها معركة لاستعادة الديمقراطية، ضاعت البوصلة، وابتعدت هذه القوى عن المزاج الشعبي الذي بات يبحث فقط عن نهاية للنزيف.

كما أن رهان بعض القوى على الخارج لم يسهم إلا في تعميق الأزمة. فالتعويل على وساطات إقليمية ودولية، في ظل واقع داخلي متشظ، أفرز فجوة متزايدة بين النخب السياسية والشارع الذي يدفع وحده ثمن الحرب.

دوليا، بدا التعاطي مع الأزمة دون مستوى الكارثة. فرغم الأرقام الصادمة للضحايا والنازحين، ظل الحضور الدولي محدودا، وأقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلها. فالمبادرات التي طرحت، سواء في جدة أو غيرها من العواصم، لم تتجاوز كونها منصات للنقاش، دون أن تترجم إلى خطوات عملية توقف إطلاق النار أو تضع حدا للانتهاكات. وهكذا انزلق السودان تدريجيا إلى خانة “الحروب المنسية” التي تستمر بعيدا عن دائرة الضوء.

السودان اليوم يقف بين سندان التفتت ومطرقة الحرب المفتوحة. وفي غياب إرادة داخلية جامعة، وضغط دولي حقيقي، يبدو أن هذا البلد مرشح للبقاء في دائرة العنف، حيث تتحول الحرب من حدث طارئ إلى واقع دائم

أما إنسانيا، فقد تجاوزت الأزمة كل التقديرات. ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، ومعسكرات مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وانهيار شبه كامل للخدمات الصحية والتعليمية. ولم تعد الحرب موجهة فقط بين أطراف مسلحة، بل باتت تستهدف بشكل مباشر أو غير مباشر المدنيين العزل. فمن الخرطوم إلى دارفور، ومن الجزيرة إلى كردفان، تتكرر المشاهد ذاتها: مدن مدمرة، وخيام نزوح، ومقابر تتسع يوما بعد آخر.

وبعد 3 أعوام، لم يعد السؤال: متى تنتهي الحرب فقط؟ بل ماذا سيتبقى من السودان بعدها؟ فاستمرار هذا النزاع لا يعني فقط إطالة أمد المعاناة، بل يهدد بإعادة تشكيل الدولة على أسس هشة قد تجعل من الصعب إعادة بنائها في المستقبل.

السودان اليوم يقف بين سندان التفتت ومطرقة الحرب المفتوحة. وفي غياب إرادة داخلية جامعة، وضغط دولي حقيقي، يبدو أن هذا البلد مرشح للبقاء في دائرة العنف، حيث تتحول الحرب من حدث طارئ إلى واقع دائم، ومن أزمة سياسية إلى نمط حياة مفروض على شعب أنهكته الصراعات.

منذر إسماعيل

الجزيرة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات