الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالزواج "قسرا" أو الانتحار... حياة فتيات السودان بلا قرار

الزواج “قسرا” أو الانتحار… حياة فتيات السودان بلا قرار

سودان تمورو:

في إقليم دارفور تغادر عشرات الفتيات مقاعد الدراسة نتيجة الزواج المبكر، ويتم تحميلهن أعباء كبيرة تفوق طاقاتهن، فضلاً عن الأضرار الصحية التي تصيبهن وتعرض بعضهن للعنف بصوره المختلفة، مما أدى إلى عواقب وخيمة تطورت بمرور الوقت إلى نهاية حياة بعضهن بالانتحار.

تحولت مئات الفتيات في مناطق النزاع المسلح السوداني من باحثات عن الحياة والتعليم إلى ضحايا صاغرات لظروف عيش لم يخترنها، إذ بات الزواج القسري آخذاً في التزايد بسبب الحرب، بدوافع اجتماعية عدة، منها الحماية من العنف الجنسي والخطف في المناطق التي تشهد توترات.

وجراء هذه الأوضاع تصاعدت حالات الانتحار وسط الفتيات في ولايات دارفور وكردفان بعد زواجهن قسراً، وكذلك تزايد الضغوط النفسية وعدم القدرة على تحمل أعباء الحياة، مما جعل تجاربهن الزوجية تنتهي على نحو مأسوي.

مأساة طفلتين

في إقليم دارفور تغادر عشرات الفتيات مقاعد الدراسة نتيجة الزواج المبكر، ويتم تحميلهن أعباء كبيرة تفوق طاقاتهن، فضلاً عن الأضرار الصحية التي تصيبهن وتعرض بعضهن للعنف بصوره المختلفة، مما أدى إلى عواقب وخيمة تطورت بمرور الوقت إلى نهاية حياة بعضهن بالانتحار.

وفي منطقة أبو كارنكا بولاية شرق دارفور لقيت طفلة تبلغ من العمر 17 سنة حتفها بتناول مادة سامة، في وقت نُقلت فيه شقيقتها الصغرى إلى المستشفى في حال حرجة.

وقال أطباء في المنطقة إن “الضحية وصلت إلى المستشفى من دون استجابة حيوية بعد تناول مبيد حشري يستخدم عادة في تخزين المحاصيل الزراعية، مؤكدين أن شقيقتها تلقت علاجاً عاجلاً مكن من إنقاذ حياتها”، في حين أشار التقرير الطبي إلى أن وفاة شقيقتها ناتجة من تناول مادة سامة قاتلة.

وذكر أحد أقارب الفتاتين أن والدهما قرر تزويجهما على رغم رفضهما الخطوة بسبب الحرمان من حقهما في الاختيار، ولفت إلى أن “تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية وتعطل التعليم في مناطق النزاع المسلح والحاجة إلى الحماية، أسباب تجعل بعض الآباء يزوجون بناتهم في سن صغيرة في محاولة لحمايتهن من الاعتداءات”.

حادثة صادمة

واقعة انتحار طفلة شرق دارفور ومحاولة شقيقتها التخلص من حياتها لم تكن الأخيرة، إذ سجلت خمس حالات في ولاية غرب كردفان وثماني حالات في جنوب كردفان خلال عام 2025، وفق أطباء ومتطوعين في مناطق النزاع المسلح.

مريم إحدى ضحايا الزواج المبكر بسبب الحرب، تحدثت عن تجربتها بأسى قائلة “شجعني والدي على الزواج من شخص قريب من الأسرة وأنا في الـ14 من عمري، اكتملت المراسم، في مارس (آذار) 2025، بإحدى قرى محلية القوز ولاية جنوب كردفان، وانتقلت إلى منطقة بعيدة في الإقليم”، وأضافت أن “أسرتها أقنعتها بأن الظروف صعبة في الوقت الحالي والحل لكل الأطراف أن تتزوج من رجل يحميها في ظل تنامي ظاهرة العنف المتصل بالنزاع المسلح، فضلاً عن عدم قدرة والدها على مساعدتها في إكمال دراستها بعدما فقد عمله في مجال الزراعة والرعي، فضلاً عن نفاد المدخرات المالية”.

وأوضحت مريم أنه “مع مرور الوقت واجهت مشكلات عدة مع أسرة زوجها، علاوة على تعرضها للعنف الجسدي بشكل مستمر، مما جعلها تشرع في الانتحار مرات عدة، لكن شقيقة زوجها التي تعمل في مجال التمريض أنقذت حياتها”، وتابعت “في ظل الحياة القاسية التي أعيشها حالياً أخشى من عواقب وخيمة في المستقبل، وحال استمرار العنف لن يكون لدي خيار بديل للانتحار”.

ضغوط وأخطار

حالة أخرى سجلتها منطقة كرمالي في ولاية جنوب كردفان، إذ أقدمت حسنة (15 سنة) على محاولة التخلص من نفسها، بعد إجبارها على الزواج من رجل يكبرها بـ30 سنة، فقامت بقطع شرايين يدها، ليتم إنقاذها من الموت بعد نقلها على وجه السرعة للمستشفى.

تقول الفتاة الناجية إنها “هربت بعد تلقي العلاج إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان للعيش مع شقيقتها، لأنها تدرك صعوبة وصول والدها وزوجها إلى المدينة في ظل ظروف الحرب الحالية لأنهما يخشيان القبض عليهما بتهمة التعاون مع قوات ’الدعم السريع‘”.

ونوهت حسنة بأن “معدلات الزواج المبكر ارتفعت بصورة كبيرة في مناطق النزاع المسلح بخاصة بعد عام من اندلاع الحرب، إذ يخشى بعض الآباء على بناتهم من الخطف والتعرض لاعتداءات جنسية من قبل المجموعات المسلحة التي تنتشر في إقليم كردفان”.

وبينت أن “حالات الانتحار وسط الفتيات ارتفعت بصورة لافتة نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية بعد الزواج، وعلى رغم هذه الأخطار فلا يزال سكان المناطق الريفية يدعمون فكرة الزواج المبكر”.

غياب الحماية

بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” تبلغ نسبة زواج القاصرات في السودان 34 في المئة، وتتزوج 12 في المئة من الفتيات قبل بلوغ سن الـ15 سنة، نتيجة عوامل تشمل النزوح وتفكك الأسر وتدهور الوضع الاقتصادي.

وترى جهات حقوقية أن ضعف أجهزة إنفاذ القانون في مناطق سيطرة قوات “الدعم السريع” أسهم في تزايد الانتهاكات في حق النساء والفتيات.

من جهتها تقول الناشطة المجتمعية هناء المهدي إن “الزواج المبكر بات آخذاً في التزايد بسبب استمرار الحرب وغياب الحماية القانونية بمناطق النزاع المسلح، علاوة على فشل الأسر في توفير احتياجات الفتيات، إلى جانب توقف الدراسة وفقدان الرغبة في التعلم”.

وأوضحت المهدي أن “ضغوط الزواج في سن صغيرة فاقمت معاناة اليافعات حتى باتت بعضهن ترى في الانتحار مخرجاً من واقع فرض عليهن من دون إرادة، لتتحول أحلام المئات منهن إلى مآسٍ تنتهي بفقدان الحياة”.

وأردفت المتحدثة “الزواج القسري لا يعد مجرد انتهاك لحقوق الفتيات، بل يمثل ضغطاً نفسياً قد يدفع بعضهن إلى الشعور بالعجز وفقدان الأمل، بخاصة في المناطق الريفية التي تغيب فيها حرية الاختيار والدعم النفسي”.

وتابعت الناشطة المجتمعية “تزايد حالات الانتحار المرتبطة بهذه الظاهرة يعكس حجم المعاناة الصامتة التي تعيشها فتيات يجدن أنفسهن أمام مصير مفروض عليهن من دون حماية كافية أو مساحة للتعبير عن رفضهن”.

حرمان وقسوة

على نحو متصل، أشارت الباحثة الاجتماعية سلمى المغربي إلى أن “زواج القاصرات يمثل جريمة بكل المقاييس، إنسانية وحقوقية واجتماعية، وأسهمت تداعيات الحرب في تزايد نسبة زواج اليافعات، بخاصة في المدن التي تشهد نزاعات مسلحة، وكذلك المناطق التي تعطل فيها التعليم والدراسة منذ اندلاع الصراع المسلح”.

ولفتت إلى أن “هناك مجتمعات ريفية يندرج ضمن عاداتها وتقاليدها الاجتماعية تزويج القاصرات خصوصاً في ظل تدهور الظروف الاقتصادية وتوقف أعمال الزراعة والرعي، إضافة إلى الخوف من تعرضهن للخطف والعنف الجنسي من قبل الميليشيات”.

ونبهت المغربي إلى أن “آلاف الفتيات في ظل الحرب حرمن من حقهن في التعليم والاختيار في ما يخص شريك حياتهن، وأن معظم هذه الزيجات يتم خارج المحاكم وبعقد زواج معتمد فقط من مأذون شرعي، لذا يتحول معظمها إلى حالات طلاق لأن المتزوجات من العائلات الفقيرة وهن غير متعلمات”.

واعتبرت الباحثة الاجتماعية أن “الزواج في سن الطفولة يضاعف مشكلات المجتمع السوداني لعدم استطاعة اليافعات تحمل أعباء الحياة الزوجية والتكيف مع الأسرة والصراعات التي تنتج بين الفينة والأخرى”.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات