سودان تمورو:
ما يحدث في المنطقة اليوم ليس مجرد انخفاض في أعداد المسافرين عبر مطار “بن غوريون”، بل زلزال استراتيجي يُعيد رسم معادلة القوة في الشرق الأوسط. إنه إعلان صريح بأن ميزان الصراع لم يعد يُقاس فقط بحجم الأساطيل والميزانيات العسكرية، بل بإرادة التحدي والقدرة على تحويل نقاط الضعف إلى أوراق ضغط فعّالة.
اليمن، الذي لطالما صُوّر كضحية لصراعات الخارج، يفرض نفسه اليوم كرقم صعب في المعادلة الإقليمية، يُملي شروطه لا عبر طاولات المفاوضات، بل عبر الفعل العسكري المحسوب والثقة التي يمنحها الميدان. لم تعد رسائله تُقرأ كمجرد تهديدات إعلامية، بل باتت تؤثر على قرارات شركات الطيران العالمية، وتربك حسابات الأمن الإسرائيلي في العمق.
العميد يحيى سريع، المتحدث العسكري لأنصار الله، لم يعد صوتاً عابراً في ضوضاء الحرب، بل بات عنواناً لتحوّل عسكري يُحاكي الجغرافيا بسلاح المعنويات والرسائل الميدانية الدقيقة. الرسالة هنا واضحة.. الاحتلال لم يعد آمناً، والسماء لم تعد مغلقة إلا بأمر أصحاب القرار الجديد.
الولايات المتحدة، التي اعتادت على تحريك المسرح الدولي من موقع المخرج الوحيد، وجدت نفسها في مواجهة “مقايضة استراتيجية” من نوع مختلف.. كل عقوبة تُقابل بردّ، وكل تهديد يُجابَه بالفعل. اليمن لا يتوسل رفع الحصار، بل يصنع معادلة تجعله ورقة لا يمكن تجاوزها، حتى من قبل واشنطن ذاتها.
وإذا كان هاجس أمريكا هو الوقوع في مستنقع استنزاف جديد، فإن المعضلة اليوم أعمق من مجرد حرب عسكرية. إنها حرب إرادات تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، وحيث تقف اليمن ليس كدولة محدودة الموارد، بل كمنصة تُقلق القواعد الأمريكية وتستنزف صورتها المهيمنة.
اليمن لا يمتلك طائرات الشبح، لكنه يملك قدرة نادرة على صناعة الفعل من قلب المعاناة، وتحويل العاصفة إلى حليف استراتيجي. وما يُقلق واشنطن أكثر من الصواريخ هو من يقف في الظل بانتظار لحظة الانقضاض.. موسكو وبكين، لا كداعمَين عاطفيَّين، بل كقوتين تترصدان فرص إعادة تشكيل النظام العالمي.
في هذا المشهد، تُعلن صنعاء انتهاء زمن “الاحتواء”، وبداية عصر تُرسم فيه الحدود بالدماء لا بالبيانات. التاريخ يهمس في أذن واشنطن: هذه ليست فيتنام… إنها نسخة أكثر تعقيداً، بخصم أقسى، وبنتائج قد تغيّر خريطة النفوذ لعقود قادمة.
