سودان تمورو:
تحت سماءٍ تخترقها طائرات مسيّرة لا يُسقطها ضجيج المضادات، وعلى أرضٍ تتفحّم فيها مستودعات النفط والدولة معاً، يترنّح السودان على حافة الانهيار. من بورتسودان إلى كوستي، ومن تندلتي إلى أم روابة، يتسع ميدان الحرب ويتقلص أفق النجاة. تفوّق ميداني لقوات الدعم السريع عبر الضربات الجوية الدقيقة، وعجز واضح للجيش عن مواكبة حرب المسيرات، يشير إلى تحوّل نوعي في معادلة الصراع.
إنها حرب استنزاف ممنهجة، تتجاوز حدود الخرائط لتضرب هيبة الدولة وعمقها الاستراتيجي، وتزرع الهشاشة في كل مفصل من مفاصلها. الكارثة لم تعد عسكرية فحسب، بل وجودية. ملايين النازحين، انهيار شامل للخدمات، ومشاهد مدن كانت تنبض بالحياة صارت أطلالًا. وسط هذا الدمار، يتكشّف وجهٌ آخر للحرب.. صراع إقليمي بالوكالة تتقاطع فيه الأجندات والمصالح، وتُغذّيه حسابات الخارج أكثر من إرادة الداخل. والسؤال: إلى متى؟ الجيش أمام مفترق لا يُحسد عليه. فإمّا الدخول في سباق تسلّح عاجل يعيد التوازن عبر تعزيز الدفاع الجوي والاستخبارات، مع كل ما يحمله ذلك من خطر الحرب المفتوحة، أو الانخراط في تسوية سياسية جريئة تُنهي مرحلة النزيف وتُعيد تأسيس الدولة على قواعد جديدة.
غير أن التسوية لا تعني الرضوخ، بل مسؤولية إنقاذ ما تبقى من الوطن، وقطع الطريق على السيناريو الأسوأ.. تفكك السودان. فنجاح أي اتفاق مشروط بكسر منظومة الإفلات من العقاب، وتحييد منطق الغنائم، وبناء دولة تستعيد ثقة مواطنيها. اللحظة سودانية بامتياز، لكن القرار لم يعد كذلك بالكامل. الداخل مُنهك والخارج متحفز، ولا وقت للترف السياسي أو الحسابات الضيقة. القنابل قد تحسم جبهة، لكنها لا تصنع دولة. وما يحتاجه السودان اليوم ليس قائدًا في الميدان، بل عقلًا يقرأ التاريخ ويختار الحياة.
