سودان تمورو:
في خطوةٍ غير أخلاقية فرضت الولايات المتحدة الأمريكية حزمة جديدة من العقوبات على السودان، متذرعة باستخدام الخرطوم غاز السارين ضد المدنيين في دارفور. هذه العقوبات، التي تأتي وسط حالة حرب أهلية متفاقمة وتدهور اقتصادي واجتماعي خطير، رُوّج لها كاستجابة دولية لحماية المدنيين، وكوسيلة للضغط على النظام لوقف انتهاكاته. لكن قراءة متأنية في السياق الجيوسياسي والتاريخي للعقوبات الأمريكية على السودان تكشف عن أبعاد أعمق وأكثر تعقيداً، تتجاوز الادعاءات الإنسانية، وتصل إلى صميم الصراع على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
العقوبات ليست ظاهرة جديدة في السياسة الأمريكية تجاه الخرطوم. منذ تسعينيات القرن الماضي، أصبحت ورقة العقوبات أداة مفضلة في يد واشنطن لإخضاع الأنظمة المارقة حسب وصفها. السودان، الذي خضع لعقوبات قاسية لعقود بسبب مزاعم دعم الإرهاب وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، كان حقل تجارب لسياسة “الضغط الأقصى”. لكن التجارب أثبتت أن هذه العقوبات لم تسهم في تقويم النظام، بل دفعت بالبلاد إلى مزيد من العزلة، والفقر، والانقسامات، ومهّدت الطريق لصراعات دامية لا تزال مستمرة حتى اليوم.
وفي هذا السياق، فإن العقوبات الأخيرة تثير أكثر من مجرد تساؤل. لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الحدة؟ الإجابة لا تكمن فقط في التقارير الأممية عن استخدام السارين، بل في تغيّر موازين القوى داخل السودان، وحوله. فالبلاد، المنهكة سياسياً وعسكرياً، أصبحت ساحة صراع مفتوحة بين واشنطن، ومنافسين جيوسياسيين كبار مثل روسيا والصين. التقارير التي تتحدث عن تعاون عسكري سوداني-روسي في بورتسودان تثير قلقاً بالغاً لدى واشنطن، إذ تمثل تهديداً مباشراً للنفوذ الغربي في أحد أكثر الممرات البحرية استراتيجية في العالم. كذلك، فإن تصاعد الدور الصيني في الاقتصاد السوداني، من التعدين إلى البنى التحتية، يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في أدواتها التقليدية، ومنها العقوبات، لإعادة ضبط اللعبة وفق مصالحها.
فالعقوبات، في هذا الإطار، لم تعد وسيلة للردع، بل باتت وسيلة للهندسة. هندسة اقتصادية تُضعف قدرة الدولة على تمويل نفسها، وتدفعها لاعتماد خيارات سياسية محددة. هندسة اجتماعية تُفاقم من السخط الشعبي وتسرّع وتيرة الانهيار الداخلي. وهندسة سياسية ترمي إلى فرض نموذج حكم مرنٍ أمام التوجيهات الغربية. وهذه كلها مؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى “تغيير السلوك” بقدر ما تسعى إلى تغيير النظام، أو على الأقل، تغييره بطريقة تضمن أن يكون السودان ضمن محورها لا خارجه.
إن أخطر ما في هذه العقوبات، ليس الأثر المباشر على النخبة الحاكمة – فهؤلاء يملكون دوماً بدائل للنجاة – بل الأثر الساحق على عامة الشعب. فالعقوبات لا تميز بين نظام وشعب، ولا بين جندي وطبيب. حين تُجمّد الأصول، تُشل المستشفيات. حين يُمنع تصدير التكنولوجيا، تُغلق الجامعات. حين يُحظر التعامل البنكي، يتوقّف استيراد الغذاء والدواء. وبذلك، تصبح العقوبات سلاحاً جماعياً، يصيب الأضعف أولاً، ويترك البلاد في حالة هشاشة دائمة، تشكّل الأرضية المثلى للتدخل الخارجي بشتى أشكاله.
لكن الكارثة لا تقف عند هذا الحد. فحين تفشل العقوبات في تحقيق أهدافها، كما حصل في فنزويلا وكوبا، غالباً ما تتحول إلى مرحلة تمهيدية لخيارات أكثر تطرفاً.. التدخل العسكري، أو دعم الانقلابات، أو فرض نماذج حكم عبر وسطاء إقليميين. وما يجعل السودان أكثر عرضة لهذه السيناريوهات هو تفكك مركز القرار، وتعدد الأطراف المسلحة، وتنازع الولاءات بين العواصم الإقليمية والدولية. وهنا، تصبح البلاد فريسة سهلة لمن يريد تقسيمها أو إعادة تشكيلها وفق خرائط جديدة.
ما هو المخرج إذن؟ أولاً، لا بد من الاعتراف بأن الوضع الداخلي السوداني يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية. لا يمكن لدولة أن تصمد أمام الضغوط الخارجية إذا كانت منهارة من الداخل. لذا، فإن الأولوية يجب أن تكون لبناء جبهة وطنية موحدة، تضع حداً لحرب الجنرالات، وتعيد ترتيب البيت السياسي على أساس مدني ديمقراطي قادر على مواجهة التدخلات لا الخضوع لها.
ثانياً، على السودان أن يوسع خياراته الاستراتيجية، دون الوقوع في فخ الاستقطاب الدولي. لا الصين ولا روسيا ولا أمريكا تعمل من أجل مصلحة السودان. بل إن مصلحة السودان تكمن في تنويع شراكاته، وتوظيف موقعه الجغرافي وموارده بشكل متوازن، يُعلي من سيادته، لا من تبعيته.
وأخيراً، يجب أن تنشأ حركة ضغط شعبي – داخلية وخارجية – تُدين العقوبات لا لأنها تستهدف النظام، بل لأنها تفتك بالشعب. هذه المعركة ليست فقط سياسية، بل أخلاقية أيضاً. وعلى الصحافة، والمثقفين، والمنظمات الحقوقية، أن يتحملوا مسؤولياتهم في كشف زيف الخطاب الإنساني الذي تُخفي خلفه واشنطن أجندتها الجيوسياسية.
العقوبات ليست قدراً، لكنها تصبح كذلك حين نصمت، أو نقبل بها كأمر واقع. السودان لا يحتاج إلى وصاية، بل إلى مشروع وطني، شجاع، وواقعي، ومتماسك، يعيد إليه كرامته ومكانته، بعيداً عن مسرح الدمى الدولية.
