سودان تمورو:
في لحظة تبدو وكأنها محاولة للسيطرة على انفلات مزمن، أعلنت الفرقة 18 مشاة التابعة للجيش السوداني دمج أكثر من 200 مقاتل من الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار ضمن صفوف القوات المسلحة. خطوة من حيث المبدأ تبدو إيجابية، لكنها في الجوهر تطرح سؤالاً مريراً.. لماذا تأتي خطوات الدمج دومًا بعد خراب الخرطوم؟ لماذا لا تسبق الرصاصة خطط الإصلاح؟ ولماذا نُترك كأمة رهينة لردود الفعل المتأخرة، بينما يمضي الوطن نحو الهاوية كل يوم خطوة جديدة؟.
ليس سرًا أن اعتماد الجيش السوداني على المليشيات المسلحة كان سياسة ممنهجة لعقود، تستخدم عند الحاجة وتُهمّش عند الاستقرار. لكن تلك الاستراتيجية القصيرة النظر أنتجت كائنًا مسخًا اسمه “الدعم السريع”، بدأ كذراع للجيش لمحاربة التمرد، ثم تحول إلى قوة تبتلع مهمتها، وتنقلب على صانعها، وتتمدد لتصبح خصمًا للدولة نفسها. الدعم السريع لم يُولد فجأة، بل نما في ظل غضّ الطرف، والتسليح غير المنضبط، والشرعية السياسية المفتوحة، حتى بات اليوم أزمة وجودية تُهدد كيان الدولة السودانية ذاته.
الدعم السريع هو تجسيد حي للمقولة القديمة.. “من يربّ الوحش لا يضمن ولاءه”. فقد تم منحه السلاح بلا قيد، والصلاحيات بلا رقابة، والمال بلا محاسبة، حتى استشعر القوة، وبدأ يرى نفسه بديلاً لا شريكًا. وعندما قرر أن يتحول إلى سلطة، لم يكن هناك من يوقفه. لم يكن ذلك التمرد وليد لحظة، بل نتيجة حتمية لمسار خاطئ، وإهمال متعمد، وسوء تقدير كارثي.
اليوم، وبعد أن أصبح واضحًا للجميع أن التعايش مع المليشيات مستحيل، يتحرك الجيش نحو دمج القوات المساندة، وهي خطوة متأخرة لكنها ضرورية، وإن جاءت على أنقاض مدن مدمرة وأرواح مفقودة. لكن السؤال الأعمق.. هل سيكون هذا الدمج حقيقيًا؟ أم أنه محاولة شكلية لاحتواء الانهيار، دون تصحيح البنية الأمنية من جذورها؟ لأن التجربة السودانية تقول بوضوح.. كل دمج شكلي لمليشيا دون تفكيكها فعليًا، يعني أننا نُعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
لا يمكن لأي دولة أن تقوم على جيش متعدد الألوان والانتماءات. ولا يمكن للوطن أن ينهض في ظل تعدد مراكز القوة، وسلاح متروك في أيدي فصائل ترتبط بالمصالح لا بالمبادئ. المليشيات لا تعرف الانضباط، ولا تنتمي للمؤسسات، وولاؤها دومًا معلّق بأقرب عرض أو أقوى طرف. والتسليح العشوائي – حتى وإن كان تحت ذريعة الأمن – لا يُنتج إلا وحوشًا تعود لاحقًا لتفترس من سلحها.
إن ما يجري اليوم من محاولة دمج قوات مالك عقار هو جهد يستحق التقدير إذا التزمت القيادة العسكرية بتنفيذه بصرامة. لكنه سيبقى خطوة ناقصة ما لم ترافقه حزمة شاملة من الإجراءات، تبدأ بمنع أي تجنيد جديد خارج القوات المسلحة، وتفكيك ما تبقى من البنى المليشياوية، وفرض سيطرة الجيش الكاملة على كل قطعة سلاح في البلاد. فلا أمن مع التسيب، ولا وحدة في ظل تعدد الجيوش، ولا دولة إذا بقي السلاح مشاعًا بين الأيدي.
يجب أن تكون مأساة الدعم السريع جرس إنذار لا يُنسى. لقد دفع السودان ثمناً فادحاً لتحالفه مع السلاح غير المنضبط، واليوم يجب أن يكون الحسم هو العنوان الوحيد. لا مصالحة مع من يهدد الدولة، ولا تسوية مع من يختطف القرار الوطني، ولا شراكة مع من يرى في البندقية وسيلة لحكم الناس.
الدرس الذي يجب أن يبقى حاضرًا في أذهان النخبة السودانية هو أن الاستقرار لا يُصنع عبر المليشيات، بل عبر دولة المؤسسات. والمليشيا، مهما بدت مفيدة مؤقتًا، هي عدو مؤجل سينقضّ في اللحظة التي يشعر فيها أن لا رادع له. إن كل تجربة خضناها مع هذه التشكيلات المسلحة تؤكد هذه الحقيقة، فلماذا نكرر الخطأ ذاته مرارًا؟؟
السودان اليوم أمام لحظة فاصلة.. إما أن يقطع مع الماضي الدموي، وينهي عهد المليشيات تمامًا، ويبني جيشًا واحدًا موحدًا يُشكّل العمود الفقري للدولة، أو أن يبقى في دوامة الانقسامات والحروب والانقلابات. ولأن الدم الذي سُفك لا يمكن استعادته، فإن أقل ما يمكن فعله هو أن نتعلم من ثمنه.
إغلاق باب الفوضى يبدأ من إغلاق باب التسليح العشوائي، وتفكيك الولاءات البديلة، وإعادة هيبة الجيش الوطني كمؤسسة جامعة، لا كطرف في صراع. إنها لحظة تحتاج إلى شجاعة سياسية لا إلى مناورات. وصدقًا، لا وقت لمزيد من التردد، فإما أن تستعيد السودان هيبته، أو يتحول – لا قدّر الله – إلى مجرد جغرافيا منهكة تتنازعها المليشيات، ويتلاشى فيها معنى الدولة.
