سودان تمورو:
وسط دخان الحرب ولهيب الانقسامات التي تعصف بجغرافيا السودان السياسية والمجتمعية، ستولد حكومة الدكتور كامل إدريس كنتاج لتحالف السلاح لا كخيار وطني جامع. هذه الحكومة، ستعلن تحت مظلة “الضرورة”، والمُطعّمة بقيادات من قوات مقاتلة مثل “البراء بن مالك” و”درع السودان” و”المشتركة” تفتح باباً واسعاً للشكوك قبل الأمل، وللتساؤلات قبل التهاني.
تعيين كامل إدريس لا يأتي في فراغ سياسي أو ظرف طبيعي؛ بل في ذروة صراع دموي تتقاطع فيه البنادق على الأرض مع الأجندات في الغرف المغلقة. وهنا، يُطرح السؤال الجوهري.. هل تُبنى الدول بتوازن السلاح أم بتوافق الإرادة الشعبية؟ هل يمكن للقوة العسكرية أن تمنح شرعية سياسية في بلدٍ أنهكته الديكتاتوريات والانقلابات؟.
الجيش السوداني، الذي يحاول اليوم استثمار مكاسبه الميدانية في صياغة مستقبل السلطة، يبدو عازماً على فرض معادلة “الشرعية المنتصرة”. لكن التجارب، داخل السودان وخارجه، أثبتت أن الأنظمة التي تُؤسّس على تحالفات البندقية غالباً ما تلد حكومات رخوة، ضعيفة الكفاءة، تفتقر للثقة الشعبية، ومهددة دوماً بانفجار التناقضات داخلها.
الحكومة الحالية تشبه لحد بعيد حكومات المحاصصة المأزومة، حيث تُوزع المناصب كغنائم حرب بين القوى المتحالفة، لا كاستحقاقات وطنية. هذا النموذج، وإن بدا مؤقتاً، إلا أنه يحمل بذور فشله في تركيبة لا تُبنى على الكفاءة، بل على الرضى العسكري والسياسي. وفي ظل تناقض الرؤى والأهداف بين المكونات العسكرية والأيديولوجية المختلفة، فإن مهمة إدريس لن تكون سوى إدارة هشيم مشتعل، لا حكومة فاعلة قادرة.
ما كان ينبغي فعله هو تشكيل حكومة تصريف أعمال محايدة، ذات مهام محددة بزمن لا يتجاوز العام الواحد، تتمثل أولاً في وقف الحرب، ثم وضع دستور مؤقت، وتهيئة المناخ للانتخابات. لكن هذا الطريق لم يُختر، بل استُبدل بخيار الترضيات، الذي يعني بالضرورة استمرار تغوّل السلاح على السياسة، وتكريس ثنائية المنتصر والتابع بدل دولة المواطن المتساوي.
كامل إدريس، رغم خلفيته الدولية، يواجه أصعب مهمة في حياته.. إرضاء حلفاء يحملون البنادق أكثر من الأفكار، وإقناع الداخل والخارج بأنه رئيس وزراء لبلد، لا مجرد واجهة لحكومة عسكرية موسعة. إن لم ينجح في إيقاف الحرب، وتحسين الخدمات، وفتح المسار السياسي الحقيقي، فإن حكومته لن تكون سوى جولة جديدة في مسلسل الفشل السوداني.
في نهاية المطاف، السودان اليوم أمام مفترق طرق.. إما حكومة تُمهّد لإنهاء الحرب وتُعيد للشعب صوته عبر صناديق الانتخابات، أو حكومة أمر واقع تبني سلطانها على السلاح وتُكرّس الحكم العسكري. والتاريخ يقول إن الحكومات التي تُولد من البنادق، إما أن تموت بها، أو تتحول إلى استبداد جديد يُعيد إنتاج الأزمة.
المعركة الحقيقية لا تُخاض في الميدان فقط، بل في وعي النخبة، وفي شكل السلطة القادمة. فإما أن نعيد إنتاج الفشل، أو نؤسس لما بعد الحرب بدستور، وانتخابات، وشعب لا يُستغفل باسم الأمن أو الضرورة.
