سودان تمورو:
تمثل الواقعية الهجومية (Offensive Realism) أحد أكثر الاتجاهات راديكالية داخل النظرية الواقعية في العلاقات الدولية. ويعد جون ميرشايمر أبرز المنظرين لهذا الاتجاه، حيث بلور نظرية متماسكة تُعيد تفسير السياسة الدولية بوصفها صراعًا لا نهائيًا على القوة والهيمنة. يختلف ميرشايمر عن غيره من الواقعيين في رؤيته المتطرفة للسلوك الدولي، حيث يرى أن الدول لا تكتفي بالبقاء أو التوازن، بل تسعى باستمرار إلى تعظيم قوتها، حتى تصبح القوة العظمى المهيمنة في النظام. يناقش هذا المقال الأطر النظرية الأساسية في الواقعية الهجومية، مركزًا على تحليل ميرشايمر وتطبيقاته.
أولًا: فرضيات النظرية عند ميرشايمر
في كتابه مأساة سياسات القوى العظمى (The Tragedy of Great Power Politics, 2001)، يضع ميرشايمر خمسة افتراضات تأسيسية لنظريته:
النظام الدولي فوضوي: لا توجد سلطة عليا فوق الدول.
الدول تملك قدرات هجومية: تمكنها من إلحاق الضرر ببعضها البعض.
اليقين بالنيات معدوم: لا تستطيع الدول أن تتأكد من نوايا الأخرى.
البقاء هو الهدف الأساسي: كل دولة تسعى للبقاء في بيئة غير مأمونة.
الدول فاعلون عقلانيون: يتخذون قرارات مبنية على حسابات استراتيجية.
وبناء على هذه الفرضيات، يستنتج ميرشايمر أن “أفضل وسيلة لضمان الأمن هي تعظيم القوة”، أي أن الدول، وخاصة القوى العظمى، ستسعى إلى السيطرة الإقليمية ومحاولة تقويض منافسيها.
ثانيًا: التعظيم الهجومي للقوة – من البقاء إلى الهيمنة
يؤمن ميرشايمر أن البيئة الدولية تفرض على الدول منطقًا هجوميًا قهريًا، إذ لا يكفي للدولة أن تكون قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها، بل ينبغي أن تسعى لتصبح أقوى من الجميع. وهذا ما يميز الواقعية الهجومية عن الواقعية الدفاعية (مثل طرح كينيث والتز)، التي ترى أن الدول تسعى فقط للحفاظ على التوازن.
ويوضح ميرشايمر أن “المأساة” تكمن في أن هذا السلوك ليس ناتجًا عن شر الدول أو سوء نواياها، بل هو نتاج منطقي لبنية النظام الفوضوي نفسه. ولذلك، فإن الصراع بين القوى العظمى ليس عرضيًا، بل هو سمة دائمة في السياسة الدولية.
ثالثًا: تطبيقات نظرية ميرشايمر – صعود الصين وانحدار الليبرالية
طبّق ميرشايمر نظريته على ملفات دولية كبرى، أبرزها:
صعود الصين: يرى ميرشايمر أن الولايات المتحدة لن تقبل بصعود الصين كقوة مهيمنة في شرق آسيا، لأن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا لها. لذا، فالنزاع بين الصين وأمريكا حتمي من وجهة نظره، إلا إذا تراجعت الصين أو تم احتواؤها.
فشل الليبرالية: في كتابه الليبرالية الزائفة (The Great Delusion, 2018)، ينتقد ميرشايمر السياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب الباردة، معتبرًا أن محاولة فرض الديمقراطية بالقوة كانت مغامرة فاشلة، لأن النظام الدولي لا يتسق مع مثل هذه المثالية الليبرالية.
رابعًا: نقد الواقعية الهجومية – هل هي واقعية أم مبالغ فيها؟
تعرضت نظرية ميرشايمر لعدة انتقادات:
المغالاة في منطق الهيمنة: لا تسعى كل الدول بالضرورة للهيمنة، كما أن ثمة حالات تاريخية لدول كبرى اكتفت بالدفاع أو التعاون (مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية).
إهمال الأبعاد غير المادية: يركّز ميرشايمر على القوة العسكرية ويُهمل دور الأفكار، الهويات، والمؤسسات الدولية.
تبني نظرة حتمية: يعتبر البعض أن الواقعية الهجومية تقدم منظورًا قدريًا مغلقًا، يختزل سلوك الدول في منطق صراع صفري لا يتغير.
خاتمة
تعكس الواقعية الهجومية ذروة تطور المدرسة الواقعية من حيث الراديكالية والنزوع التوسعي في تفسير سلوك الدول. فهي تنظر إلى العالم بوصفه حلبة صراع لا تهدأ، تفرض على الدول السعي المستمر لتعظيم القوة والهيمنة. ورغم ما أثارته من جدل ونقد، فإن هذه النظرية تظل أحد الأدوات التحليلية المهمة لفهم منطق التنافس بين القوى الكبرى، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الدولية في النظام الدولي المعاصر.
