سودان تمورو
في الزمن العربي المملوء بالنكبات، تتقدم الشعوب الصفوف بينما تتقهقر حكوماتها إلى مقاعد التردد والعجز. من غزة المذبوحة تحت الحصار، إلى الأقصى المدنس تحت بساط المحتل، ينبثق الوجع العربي في كل ركن، لكنه لا يُقابل بالقرارات السيادية، بل بالصمت المريب والتواطؤ المعلن. مشهد الجماهير الغاضبة في الأردن وتونس ليس طارئاً ولا انفعالاً موسمياً، بل هو تأكيد حاسم على اتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم، وعلى عمق المأزق الذي تعيشه المنظومة السياسية العربية المتكلسة.
غزة تنزف بصمت، لكن الصمت ليس عربياً. الجماهير تنادي وتصرخ وترفع الرايات، بينما لا تزال بعض الحكومات تقتات من موائد الدبلوماسية المسمومة، وتتشبث بأوهام السلام الكاذب. المتظاهر الأردني حين يهتف ضد اتفاقية وادي عربة، لا يفعل ذلك من عبث، بل لأن الواقع يصرخ بأن الاحتلال لم يمنح شيئاً سوى الذل، وأن التطبيع لم يجلب سوى المزيد من الدماء. ويصعب ألا نسأل بمرارة.. هل قرارات العواصم العربية تُصاغ في مكاتب وزرائها، أم تُحرر في تقارير السفارات الأجنبية؟.
في تونس، القصة ليست أقل مرارة. حين تُرفع صور قتلة غزة في وضح النهار، وتُسفك دماء الكرامة على قارعة الأحداث، ينهض الشارع ليثبت أن الوعي لم يُصادر بعد، وأن الروح الثورية لا تزال تقيم في شرايين هذا الشعب. التونسيون لا يُطاردون الأشباح، بل يواجهون خريطةً من التطبيع تتسلل بصمت إلى مفاصل القرار. والقلق كل القلق أن تتحول التحقيقات الرسمية إلى مسرح عبثي، تعود بعده الأمور إلى مستنقع التواطؤ نفسه.
الفجوة بين الشعوب العربية وحكوماتها لم تكن يوماً بهذا الاتساع ولا بهذا الوضوح. شعوب تعتز بإرادتها وتثور لكرامتها، في مقابل حكومات تخشى تبعات أي انحراف عن الخطوط المرسومة دولياً. الخنوع أصبح عقيدة رسمية، بينما المقاومة باتت جريمة. المعادلة العربية باتت معكوسة.. الحكومات تُهادن، والشعوب تُقاوم؛ الحكومات تبرر، والشعوب تفضح؛ الحكومات تُطبع، والشعوب تقاطع.
هل يمكن إعادة تصحيح هذه المعادلة؟ التاريخ لا يجيب دائماً بنعم، لكنه يُلمّح بأن الشعوب التي تحافظ على جذوتها لا تنكسر. ما نراه في شوارع عمّان وتونس، وقبلهما في ميادين القاهرة وطرابلس والخرطوم، هو امتداد لحالة وعي تُثبت أن الشرعية ليست من اختصاص المراسيم الرسمية، بل من نبض الميادين. الشرعية اليوم تُستمد من موقف تجاه فلسطين، لا من تأشيرة نحو واشنطن أو بروكسل.
لكي تُعاد كتابة المشهد العربي، لا بد من شروط جديدة.. ضغط شعبي لا يهدأ، وخطاب سياسي يُعيد تعريف الوطنية خارج قوالب الطاعة، ونخب مثقفة تُجاهر بالحقيقة ولا تخشى سطوة الأجهزة. لا يكفي أن نغضب، لا بد أن نُحوّل هذا الغضب إلى مشروع سياسي يفضح التبعية ويُطالب بالكرامة. فالعالم لا يُنصت لمن يصرخ فقط، بل لمن يصرخ ويُخطط ويُصِر.
الدم العربي المسفوك في غزة ليس مجرد ضحية للعدوان، بل هو أيضاً ضحية لصمت رسمي خانع، ولكيان سياسي عربي فقد شرعيته الأخلاقية منذ زمن. الشعوب لا تطلب المستحيل، فقط تريد حكومات تُشبهها، تمثل آلامها، وتنتصر لقضاياها. والسؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل.. هل يمكن أن تنهض الأمة من بين ركام الخذلان، وتكتب تاريخها بيدها لا بقلم غيرها؟ أم أننا سنظل ندور في حلقة الخيانة والانتظار؟
إذا كان الشعب يوماً يريد الحياة، فلا بد أن تستجيب الحكومات. الشعوب العربية اليوم تنبض بالحياة، تحارب اليأس، وتصر على الحلم. أما الحكومات، فما زالت حبيسة الخوف، مأسورة بالتبعية، وعاجزة عن اللحاق بشعوبها. ومع ذلك، فإن الحقيقة التي تتردد بين هتافات المتظاهرين في عمّان وتونس تقول بوضوح.. الشعوب تقود.. وستبقى تقود، وإن تترنح الحكومات.
