الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالدعم السريع بين خطاب "دقلو" وواقع الترهل الاستراتيجي

الدعم السريع بين خطاب “دقلو” وواقع الترهل الاستراتيجي

سودان تمورو:

في مشهدٍ تتشابك فيه المآسي الوطنية مع طموحات قوى السلاح، تواصل قوات الدعم السريع بثّ رسائل النصر، مستندةً إلى ما تسميه “مناورات تكتيكية”، بينما تقف الوقائع على الأرض شاهدةً على العكس تماماً. فالخروج المتكرر من مناطق حيوية مثل الخرطوم وأم درمان لا يُبرّر بمناوراتٍ عسكرية بقدر ما يكشف عن ارتباك استراتيجي وانحسارٍ ميداني متواصل.

التجنيد الإجباري الذي بات سمة المرحلة داخل معسكرات الدعم السريع لا يدل على قوة متصاعدة، بل يعكس أزمة عميقة في البنية النفسية والتنظيمية لهذه القوات. فالمقاتل الذي يُجبر على حمل السلاح لا يملك إرادة القتال، ولا يُعوّل على ولائه في معاركٍ طويلة النفس. بل إن هذه التعبئة القسرية تكشف هشاشة العمق البشري للتنظيم، وتُنبئ بصراعات داخلية ستتفجر عاجلاً أو آجلاً.

في المقابل، يستمر الخطاب الرسمي للدعم السريع في تصدير صورة “الاقتراب من الحسم”، بالحديث عن “إحتلال” الأبيض وكوستي، وتلميحاتٍ متكررة عن التقدّم نحو بورتسودان. غير أن الواقع الميداني يُكذّب هذه الادعاءات بوضوح، خاصة مع فشل الهجمات المتفرقة في النهود، الخوي، وأم صميمة، التي بدت أقرب إلى محاولات يائسة لإثبات الوجود منها إلى عمليات حربية ذات هدف استراتيجي. في الحقيقة، هذه العمليات كشفت أن المعركة تحولت من صراعٍ عسكري إلى قتالٍ عبثي على حدود الحواضن الاجتماعية، وهو تطور خطير قد يُشعل نيران النزاعات القبلية أكثر مما يخدم المشروع العسكري للدعم السريع.

وإذا كان التحالف المُسمّى “تأسيس” يُقدّم في الإعلام على أنه جبهة موحدة، فإن الواقع السياسي يُظهره كتحالف مصالح آنية بين مليشيات ذات أجندات متنافرة، لا يجمعها هدف وطني أو برنامج سياسي واضح. بل إن استحضار أسماء كعبد العزيز الحلو والهادي إدريس والطاهر حجر كمكونات فعالة في هذا التحالف يبدو أقرب إلى المناورة السياسية منه إلى التوصيف الواقعي. فالتاريخ القريب يُثبت أن هذه الكيانات تغيّر تحالفاتها بحسب مقتضيات المرحلة، ولا تُعوّل في قراراتها على انسجام استراتيجي أو التزام مبدئي.

أخطر ما يُواجه الدعم السريع اليوم ليس الخصم في الميدان، بل التصدع من الداخل.. تآكل البنية القتالية، انكشاف الأزمة التنظيمية، توجّه الحرب نحو الحواضن الاجتماعية، وتورط عناصره في خطاب انتصاري مفصول تماماً عن الحقائق. كل ذلك يُشكّل معادلة هزيمةٍ تُكتب بصمت، لكن بحروفٍ دامغة.

ما يحدث الآن لا يعني أن قوات الدعم السريع قد انتهت، لكنها تعيش أسوأ مراحلها منذ بداية النزاع. القوة التي كانت تثير الرعب بالسرعة والتمدد أصبحت الآن تتحرك بدافع الإنهاك، وتُقاتل على أمل الحفاظ على حضورها لا كسب الأرض. عملياتها الأخيرة في الدبيبات، الحمادي، وأم صميمة ليست إلا صدى لحالة استنفار هستيرية تُحاول من خلالها منع تسرب المعركة إلى عمقها القبلي، لا تحقيق نصر عسكري حاسم.

أما الحديث عن السيطرة على الأبيض أو حتى الاقتراب من كوستي أو بورتسودان، فهو ضرب من الوهم الاستراتيجي، يتجاهل معطيات القوة، وتعقيدات الجغرافيا، واختلالات التنظيم. في ظل هذا الترهل البنيوي، لا يبدو أن الدعم السريع يملك القدرة على التقدم، بل بالكاد يحاول النجاة من الانهيار.

الخلاصة أن المشروع العسكري للدعم السريع يترنّح بين خطابٍ مُتخم بالوعود والانتصارات الافتراضية، وواقعٍ ميداني يتآكل فيه النفوذ يوماً بعد يوم. وإذا لم تتدارك هذه القوة نفسها، فإنّ ما تبقى لها من أوراق، لن يكون أكثر من أدواتٍ لتأجيل السقوط، لا لتغييره.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات