الأحد, مايو 3, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيرد حماس بين المكاسب السياسية والمخاطر الاستراتيجية!.. بقلم أحمد حسن

رد حماس بين المكاسب السياسية والمخاطر الاستراتيجية!.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو:

في منعطف بالغ الحساسية من مفاوضات تثقلها الدماء وتثقلها الحسابات، قدمت حركة حماس والفصائل الفلسطينية رداً مفصلاً على الورقة الأمريكية المقترحة لوقف إطلاق النار، في ما يشبه خريطة طريق سياسية، لا مجرد موقف تفاوضي. هذا الرد، في صيغته المعلنة، يتجاوز منطق “الصفقة” إلى مشروع رؤية متكاملة لما بعد الحرب، حيث تسعى المقاومة لتثبيت معادلات جديدة تحاول من خلالها تأطير نتائج الصمود العسكري على الأرض في بنية سياسية قابلة للصرف الاستراتيجي.

يتجلى في بنود الرد مشهد معقد تتداخل فيه المكاسب السياسية مع المخاطر الاستراتيجية، وتتشابك فيه شعارات التحرر مع ضرورات الواقعية. فمطالبة حماس بوقف شامل للعدوان لمدة 60 يوماً، مقرون بضمانات رئاسية أمريكية، ليست مجرد شرط فني، بل هي محاولة لنقل الملف الفلسطيني من هامش المعارك إلى مركز الطاولة الدولية. إدراج الرئيس السابق دونالد ترامب كضامن شخصي ليس فقط توظيفاً سياسياً لمرحلة ما قبل الانتخابات الأمريكية، بل أيضاً مناورة لانتزاع التزامات غير قابلة للتنصل، في ظل فقدان الثقة التاريخي بأي ضمانات إسرائيلية أو أوروبية.

الرد يشترط سحب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خط 2 آذار، وتقييد الطيران الجوي والاستطلاعي الإسرائيلي يومياً، وهي شروط تكاد تلامس مفهوم “منطقة منزوعة السلاح الجوي” فوق غزة، في محاولة لتحييد اليد الإسرائيلية من سماء القطاع. كما تنص الوثيقة على إعادة إعمار واسعة بإشراف دولي، تشمل المستشفيات والمدارس والمخابز، إضافة إلى تحرير معبر رفح من القيود الإسرائيلية غير المباشرة. هذه البنود، وإن بدت إنسانية، تحمل بعداً سيادياً يهدف إلى تقويض أدوات الحصار الإسرائيلي الممتد منذ أكثر من 17 عاماً.

غير أن الوثيقة، بكل ما تحققه من مكاسب رمزية وتفاوضية، لا تخلو من فجوات مقلقة. فهي تضع إدارة قطاع غزة بيد “لجنة تكنوقراط مستقلة”، وهي صيغة قد تتحول إلى معبر آمن لتجريد المقاومة من سلطتها السياسية دون اشتباك مباشر، عبر نقل السلطة من مشروع تحرري إلى إدارة بيروقراطية خاضعة لرقابة دولية. كما أن مدة وقف إطلاق النار المقترحة (5 إلى 7 سنوات) تحمل شبهة تجميد للصراع تحت مظلة “تهدئة مؤقتة”، بما يتيح لإسرائيل إعادة تموضعها السياسي والعسكري، وربما يعيد إحياء سيناريوهات “السلام الاقتصادي” التي طرحتها واشنطن سابقاً، تحت عناوين كاذبة من التنمية مقابل الصمت.

ورغم أن الوثيقة تطلب مفاوضات جديدة بشأن “وقف إطلاق نار دائم”، فإن غياب جدول زمني صارم وآليات مراقبة واضحة يجعل هذا البند مفتوحاً على احتمالات المراوغة. فما الذي يضمن أن الاحتلال لن يماطل في التفاوض ثم يعاود القصف بعد انتهاء التهدئة المؤقتة؟ وأين الآليات التي تفرض على إسرائيل احترام تعهداتها؟ ثم ماذا عن الضمانات لإعادة فتح المجال الجوي والبحري أمام غزة؟ كلها أسئلة غائبة أو مؤجلة، تشكل ثغرات قد تُفرغ الوثيقة من مضمونها.

الرد الأمريكي المتوقع على الوثيقة جاء على شكل رفض معلن، لكنه لا يخفي حقيقة أخرى.. واشنطن ليست في عجلة من أمرها، بل تدير التفاوض كأداة ضغط، لا كوسيلة حل. المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف يرفض شروط حماس علناً، لكنه يدير خلف الكواليس مفاوضات لتمرير صيغة أقل إحراجاً لإسرائيل، وربما أكثر اتساقاً مع حسابات البيت الأبيض الانتخابية. من هنا، فإن “المسرحية التفاوضية” تبدو ماثلة.. تصوير حماس كطرف معرقل، واستنزاف الوقت، ثم تقديم اقتراح معدل لا يحقق لا الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين ولا الحد الأقصى من تطلعات الإسرائيليين، بل فقط يُبقي الوضع قابلاً للإدارة لا للحل.

الوثيقة، رغم كل شيء، تشكل خطوة جريئة في إعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي، لكنها في ذات الوقت اختبار حقيقي لوعي المقاومة بموازين القوى وتوازنات المصالح. فإذا كانت حماس تراهن على أن الإنجاز العسكري يجب أن يُستثمر سياسياً، فإنها الآن أمام تحدٍ أكبر.. كيف يمكنها تثبيت هذه المكاسب دون أن تقع في فخ التنازلات المتدرجة؟ وهل يمكن تحويل الضمانات المؤقتة إلى التزامات دائمة دون التخلي عن جوهر المشروع التحرري؟.

الإجابة لا تقف عند حدود ورقة التفاوض، بل تمتد إلى قدرة الفلسطينيين أنفسهم على إنتاج مشروع وطني جامع، يملأ الفراغ السياسي القائم، ويستثمر لحظة التعاطف الدولي في مسار استراتيجي طويل النفس. فالمعركة لم تعد فقط بين قصف وهدنة، بل بين رؤية تحررية كاملة ومشروع تسوية مفخخ. وفي صراع كهذا، لا يكفي الانتصار في جولة، بل يجب الحذر من خسارة المعركة بالوكالة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات