سودان تمورو:
بين ركام المدن المنهارة وصمت العالم المتواطئ يقف السودان اليوم على حافة هاوية لا قاع لها. ورغم كل الدماء والدموع لا تزال بعض نخب السودان تمارس ذات الخطيئة التاريخية.. التعويل على الخارج. وكأن المأساة لم تكشف بعد أن الدول لا تتحرك بدافع الأخلاق أو القيم بل بمنطق المصلحة المجردة. التصريحات الأمريكية الأخيرة وعلى رأسها تلك التي أطلقها كريستوفر لاندو لم تكن سوى نسخة منقحة من خطابات قديمة تلوك مفردات مثل “وقف إطلاق النار” و”الحوار السياسي” فيما تمضي آلة الحرب في طحن أرواح الأبرياء دون هوادة.
الرهان على الغرب ليس فقط خطأً استراتيجياً بل انتحارٌ وطني معلن. وما يدعو للأسى أن قوى سياسية مثل “صمود” وامتداداتها من تحالفات قديمة لا تزال تُغري قواعدها بخرافة “الضغط الدولي” متناسية أن هذا “الدولي” هو ذاته الذي تفرّج على دارفور تحترق ولم يرف له جفن عندما أُطيح بحمدوك بل كان من أوائل المرحّبين. وماذا كانت النتيجة؟ دولة تتهاوى ومجتمع يُدفع إلى حافة الفناء ونخبٌ تصرخ في فراغٍ لا يسمعها سوى صداها.
لقد تحوّلت قوى الثورة السابقة من حاملي مشاعل التغيير إلى نُخب مقطوعة عن الناس تتسابق على مواقف دبلوماسية وتقتتل على مقاعد وهمية وتُقايض طموح السودانيين بأوهام شراكات دولية لم تنتج إلا الخذلان. وحتى حين تتحدث عن “الحلول السياسية” فإنها تتحدث من موقع الضعيف المتسوّل لا من موقع الفاعل القادر على فرض معادلاته. وحين تنعدم القدرة على الفعل يصبح الاستجداء مخرجًا مغريًا لكنه مخرجٌ إلى الهاوية.
السودانيون لم يعودوا يصدقون هذا الخطاب. فقد جرّبوا أن يضعوا بيضهم في سلة الخارج فاحترقت السلة بما فيها. لقد انتهى تحالف “قوى الحرية والتغيير” إلى شتاتٍ يُدعى “تقدم” ثم إلى شبحٍ يتنفس تحت اسم “صمود” لا يمتلك من مقومات التأثير سوى خيوطٍ أوهى من خيال تربطه ببعض السفارات والغرف المغلقة. وبينما تتشدق قياداته بحديث السيادة والديمقراطية يتوسلون المواقف من عواصم بعيدة ويغضّون الطرف عن صفقات تُبرم على حساب الشعب.
المأساة لا تكمن في أن الخارج لا يريد إنقاذ السودان بل في أن بعض الداخل لا يريد تصديق هذه الحقيقة. فما زالت هناك قيادات تُعوّل على الجولات الخليجية وعلى تصريحات سفراء الرباعية وعلى اجتماعات تُعقد في نيويورك أو أديس أبابا وكأن السيادة تُستعاد عبر الإيميلات لا عبر نهوض وطني شامل يفرض الاحترام والرهبة في آن واحد. وحتى حين يتحدثون عن “الحل من الداخل” فإنهم يقصدون “حلّاً يمر عبر الخارج” وهي مفارقة تكشف حجم العجز والانفصال عن الواقع.
في كل مرة يتحدث فيها الأمريكيون عن “لا حل عسكري” للنزاع لا يرافق هذا الموقف أي فعل جاد لا عقوبات حقيقية ولا حظر للسلاح ولا محاسبة للمنتهكين. لأن الهدف ليس وقف الحرب فعلاً بل منع نتائجها من الإضرار بمصالح الغرب. أما إن بقيت المذبحة ضمن حدودها الجغرافية وإن لم تفرز قوى معادية للنفوذ الغربي فلا بأس أن تستمر. هذا هو منطق السياسة الدولية فهل نحتاج لمزيد من الخراب كي نفهم؟
لقد أثبتت الأيام أن تصدر الثورة وحده لا يكفي لصناعة شرعية دائمة. وأن من لا يصنع تحالفاً مع الناس سيظل عالقاً في هامش المعادلة مهما كبرت مظلاته الدولية. وما لم تدرك القوى السياسية السودانية أن لا خلاص إلا من الداخل فإنها ستكون شريكة في الجريمة لا ضحية لها. فإما أن تنبعث إرادة وطنية حقيقية تُعيد بناء الدولة من تحت الرماد أو نمضي جميعاً في جنازة وطن ندفنه بأيدينا ثم نبكي عليه أمام شاشات الأخبار.
المنقذ الأبيض لن يأتي. والمبادرة السودانية لن تُولد من فنادق العواصم الأجنبية. وحده الوعي الجمعي حين يقرر أن يقول كفى هو من سيُعيد للسودان بوصلته وكرامته واستقلاله الحقيقي.
صدق من قال أن “من يُفرّط في صوته الداخلي سيظل عبداً لصوت لا يسمعه إلا حين يُملى عليه ما لا يريد.”
