الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيصرخة الضمير العالمي!.. بقلم أماني عبدالرحمن

صرخة الضمير العالمي!.. بقلم أماني عبدالرحمن

سودان تمورو:

في زمنٍ تتداعى فيه القيم وتتهاوى فيه الأقنعة تكتب غزة ملحمة الصمود فيما تكتب الدول العظمى ملحمة النفاق. في كل بيان إدانة يصدر عن عاصمة غربية يعلو صوت طائرات الموت فوق رؤوس أهل القطاع. تتكدس الوثائق وتُبث التصريحات ويُعبَّر عن “القلق البالغ” ولكن اليد ذاتها التي تصافح القتيل بالأسف تصافح القاتل بالسلاح والدعم والشرعية. لقد تحوّلت الإدانات إلى طقوس دبلوماسية عقيمة تمارس فيها القوى الكبرى لعبة الخداع الأخلاقي بينما تسيل الدماء على الإسفلت المعتم في غزة.

وثيقة سرية للاتحاد الأوروبي مؤرخة في نوفمبر 2024 تثبت أن إسرائيل تنتهك القانون الإنساني الدولي بشكل ممنهج ومع ذلك تُمنح الحصانة السياسية والدعم العسكري بلا هوادة. مجلس الأمن يناقش مشروع قرار “إنساني” والفيتو الأمريكي جاهز كالعادة ليجهض ما تبقى من ضمير عالمي. العالم يشاهد مذبحة تُبث على الهواء مباشرة ويتعامل معها كما لو كانت مسرحية خلافات بيروقراطية في دهاليز الأمم المتحدة. وبينما تُقصف المستشفيات وتُستهدف العائلات تسأل الشعوب..من يحاسب من؟.

في أروقة الغرب يتجلى الانقسام بين من يرتدي قناع الضمير ومن يتاجر به. تصريحات وزيري خارجية النرويج والدنمارك تعكس صحوة أخلاقية متأخرة لكنها لا تتجاوز حدود الخطابة. المفارقة الصارخة أن حكومات تدين علناً ما تفعله إسرائيل بينما ترخص شركاتها صفقات الأسلحة التي تُمطر غزة ناراً وخراباً. وتؤكد التحليلات السياسية أن الخلاف بين نتنياهو وبعض صقور الغرب هو خلاف في التكتيك لا في العقيدة. فالدعم اللامحدود لإسرائيل لا ينبع من تحالف سياسي بل من رؤية استعمارية تعتبر وجودها فوق القانون ضرورة لحماية الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط.

لكن ربما يكون الأفظع هو استخدام الصحة كسلاح حرب. تقارير منظمة الصحة العالمية وشهادات أطباء من غزة تكشف عن جريمة مزدوجة.. تدمير النظام الصحي ومنع دخول المساعدات مما يحاصر السكان بين الموت تحت القصف أو تحت الجوع. الطبيب النرويجي ماديس غيلبرت يختصر المأساة بسؤال موجع..”أين العالم المتحضر؟” والسؤال يتردد بلا مجيب. إن استخدام الجوع كوسيلة للقتل لا يشير فقط إلى انعدام الأخلاق بل إلى شراكة دولية في الجريمة عبر الصمت أو عبر الفيتو أو عبر الشحنات العسكرية التي تحمل شعار “صُنع في الديمقراطية”.

تهديد إسرائيل لأسطول الحرية المتجه لغزة يكشف ما تخشاه دولة الاحتلال أكثر من أي شيء.. الكلمة الحرة والموقف الأخلاقي. عضو البرلمان الأوروبي ريما حسن لم تتحدث فقط باسم ركّاب سفينة بل باسم الضمير الإنساني المعزول والمحاصر. إسرائيل لا تخشى الصواريخ بل تخشى أن تُكسر هيمنتها على السردية العالمية. وإذا كانت قد نجحت في خنق غزة فإنها لم تنجح بعد في خنق الحقيقة.

وفي نهاية المشهد تتضح معادلة موجعة.. ليست المشكلة فقط في إسرائيل بل في من يمنحها القوة والغطاء والدعم. المعركة لم تعد فقط على أرض غزة بل داخل العواصم الغربية في الشوارع التي امتلأت بمظاهرات الغضب وفي البرلمانات التي باتت تشهد أصواتاً تكسر الإجماع الصهيوني المقدس. الجاليات العربية والإسلامية في الغرب أصبحت رأس حربة في مقاومة النفاق السياسي وكسرت حاجز الخوف والتعتيم. تلك الجاليات لا تمثل فقط شعوبها بل تمثل ضميراً عالمياً صامتاً وجد فيها صوتاً وفعلاً.

غزة لا تطلب تعاطفاً بل تطلب عدلاً. هي لا تصرخ لتستجدي رأفة بل لتفضح نفاقاً يقتل مرتين.. مرة بالقصف ومرة بالتواطؤ. والمفارقة أن الإدانات التي لم توقف القتل كشفت على الأقل زيف القيم التي طالما ادّعتها الحضارة الغربية. الرهان الحقيقي اليوم ليس على قرار دولي بل على وعي الشعوب وعلى مقاومة التواطؤ باسم الضمير. السؤال الأخلاقي لم يعد.. متى ستوقف إسرائيل عدوانها؟ بل.. متى سیتوقف الغرب عن تمويلها؟.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات