سودان تمورو:
في بلدٍ أنهكته الحروب وانكسرت فيه المعايير الوطنية لصالح الحسابات الجهوية يطفو على السطح تصريح خطير لرئيس كيان الشمال محمد الجكومي يكشف فيه عن اتفاق مع إريتريا لتدريب 50 ألف مقاتل من أبناء ولايتي نهر النيل والشمالية بحجة “حماية الإقليم من المهددات”. قد يُقرأ هذا الإعلان ـ للوهلة الأولى ـ كمحاولة لسد فراغ أمني أو تصحيح اختلالات التمثيل القومي لكنه في جوهره إشارة دامغة إلى انحدار السودان نحو نموذج الميليشيات المدعومة من الخارج وتحوّله إلى ملعب مفتوح لأجندات إقليمية لا تعبأ بسيادته ولا بوحدة جيشه ولا بمستقبل دولته.
منذ متى كانت حماية الوطن تُدار عبر اتفاقيات سرية مع أنظمة تُعرف بتدخلها السافر في شؤون الجوار؟ هل بات السودان عاجزًا إلى درجة أنه يوكل أمنه الداخلي إلى دولة كإريتريا لها سجل طويل في استخدام الجماعات المسلحة كأدوات ضغط؟ تصريح الجكومي ليس تفصيلًا صغيرًا بل ناقوس خطر يقرع بقوة ليذكّرنا بأن مشروع بناء الدولة السودانية ما زال هشًا إلى حدّ يسمح بولادة جيوش جهوية خارج سيطرة الدولة وبشرعنة النفوذ الأجنبي تحت عناوين محلية خادعة.
التجربة السودانية القريبة لا تنقصها الدروس. الدعم السريع الذي بدأ كقوة رديفة بدواعي أمنية تحول لاحقًا إلى أكبر تهديد للدولة وتحالف مع جهات أجنبية وأشعل حربًا لا تزال تحرق الخرطوم وأقاليم السودان. فهل يعتقد الجكومي أن ميليشيا جديدة مدربة خارج إطار المؤسسة العسكرية ستحقق الأمن بدل أن تعمّق الانقسام؟ وهل يمكن لعاقل أن يرى في تدخل إريتريا ـ ذات التاريخ المعقد في القرن الأفريقي ـ ضمانة لأي استقرار؟ بل هل يُعقل أن تُفتح البلاد من جديد على سيناريوهات مشابهة للصوملة حيث تكثر الجيوش وتغيب الدولة؟
تبرير الخطوة بـ”غياب الثقة في الحكومة المركزية” لا يُقنع أحدًا. فالحكومات تُبنى لا تُعاقب والخلل في التوزيع العادل للموارد أو الحماية لا يُعالَج بإنتاج ولاءات مسلحة جديدة بل بإصلاح المركز ليكون وطنيًا بحق. أما خلق جيش موازٍ تحت مظلة الإقليم مدعوم من الخارج فهو تفتيت للبلاد بمشرط ناعم لا يختلف في جوهره عن النزعات الانفصالية.
ثم ما الذي يدفع إريتريا أصلًا إلى عرض هذا “الكرم العسكري”؟ هل هي محبة مفاجئة لأمن السودان؟ أم أنها تحاول تشكيل ذراع جديدة لها داخل الخرائط السودانية تستخدمها وقت اللزوم في مساوماتها مع إثيوبيا أو مصر أو الإمارات؟ من يضمن ألا يتحول هؤلاء المقاتلون إلى ورقة ضغط تُستخدم ضد الخرطوم في أي لحظة؟ من يضمن أنهم لن يتحولوا إلى امتدادٍ أمني لإريتريا وليس قوةً وطنية سودانية؟
التدريب العسكري ليس مجرد نشاط فني. إنه غرس للأفكار وتشكيل للولاءات وزرع للعقيدة. والخضوع لمعسكرات خارجية هو بداية التنازل عن السيادة ثم عن القرار السياسي ثم عن الدولة ذاتها. السودان إذا قبل بهذه الخطوة يضع حجر الأساس لأزمة أمنية جديدة ستنفجر عاجلًا أو آجلًا وسيجد نفسه محاطًا بمليشيات لكل جهة خارجية حصتها.
الحل الحقيقي لا يكون بإنتاج الجيوش البديلة بل بإعادة بناء الجيش القومي على أسس مهنية شاملة لكل الأقاليم وتوفير الحماية المتساوية لكل جزء من السودان دون استثناء. وإذا كان هناك تقصير فالمعالجة تكون عبر الحوار والضغط السياسي لا عبر التهديدات المسلحة أو الاستقواء بالخارج. السيادة لا تُستورد والوطن لا يُدار من غرف العمليات الأجنبية.
الذين يدفعون اليوم نحو عسكرة الشمال قد يجدون أنفسهم غدًا أمام شمال منفلت لا يخضع للدولة ولا يعترف بالمركز ويكرر مآسي دارفور وكردفان بصيغة جديدة. وحينها لن يُجدي الندم ولن تُصلح الكارثة بيانات التوضيح أو الاجتماعات الدبلوماسية. فإما أن يتدارك السودان نفسه الآن ويرفض هذا المسار المدمر أو فليستعد لجولة جديدة من الفوضى عنوانها هذه المرة: “الجيش الإريتري السوداني”.
