سودان تمورو:
لم يعد خافيًا على أحد أن إسرائيل لا تسعى إلى السلام بقدر ما تسعى إلى شرعنة احتلالها تحت لافتة “التطبيع”، وأن اليد التي تُمد باسم السلام ما هي إلا امتداد ليد أخرى تمسك بالبندقية وتغتصب الأرض. التصريح الأخير لوزير الخارجية الإسرائيلي، الذي ربط بشكل مباشر بين تطبيع العلاقات مع سوريا وبين احتفاظ إسرائيل بهضبة الجولان، لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان فاضحًا. فاضحًا لحقيقة لم يعد بالإمكان إنكارها: إسرائيل لا تكتفي بما اغتصبته، بل تطلب المزيد.
الجولان السوري ليس فقط قطعة أرض، بل هو شاهد على النكسة والتخاذل، وعلى واحدة من أكبر عمليات التهجير والتطهير العرقي التي لم تُمحَ آثارها بعد. اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على احتلاله، تُحاول إسرائيل طرحه في سوق النخاسة السياسي، تارة عبر مزاعم السيادة، وتارة أخرى كمهر للتطبيع مع من تبقّى من المترددين في القفز إلى مركب الاستسلام الجماعي.
الخطير ليس فقط في إعلان النوايا الصهيونية بهذا الوضوح، بل في استعداد بعض العرب للتعامل مع هذه الوقاحة بوصفها “فرصة سياسية” يجب استغلالها. هؤلاء الذين يعتقدون أن إسرائيل ستكتفي بالجولان مقابل توقيع على ورقة، يتجاهلون أن شهية الاحتلال لا تشبع، وأن مشروع “إسرائيل الكبرى” لم يكن يومًا وهمًا. فمن احتلال فلسطين إلى ضم الجولان، ومن العدوان على جنوب لبنان إلى الأطماع في الضفة الشرقية من الأردن، كلها حلقات في سلسلة واحدة عنوانها: التوسع تحت غطاء “السلام”.
إن أخطر ما يحدث الآن هو أن التنازل عن الثوابت أصبح يُسوّق على أنه “براغماتية”، والمهادنة مع المحتل تُغلف بشعارات الواقعية السياسية. من يتهافتون اليوم على التطبيع، يعلمون تمامًا أن إسرائيل لا تقدم شيئًا بالمقابل، وأنها تحتفظ بأقصى قدر من المكاسب مقابل الحد الأدنى من الالتزامات، ولكنهم يفضّلون ارتداء عباءة الاستسلام على مواجهة الحقيقة: أي اتفاق مع دولة قائمة على الاغتصاب هو اتفاق خيانة.
هؤلاء المطبعون، سياسيين أو مثقفين أو إعلاميين، لا يدركون أن التاريخ لا يُمحى، وأن الشعوب لا تنسى، وأن لحظة الحساب قد تطول لكنها آتية لا محالة. لأن من يبيع الأرض اليوم، سيجد نفسه غدًا يُباع معها، ومن يفرّط في الجولان، لن يكون بعيدًا عن التفريط في كل عاصمة عربية أصبحت في مرمى الأطماع الإسرائيلية.
ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي ليس مجرد تصريح، بل وثيقة اتهام. اتهام لمن يهرولون نحو التطبيع رغم علمهم أن الجولان لا يُعاد بالود، ولا يُحرر بالكلمات. إن إسرائيل تقولها بوضوح: السلام لن يُمنح إلا لمن يعترف بسيادتها على ما سلبته. فهل بعد ذلك يمكن الحديث عن حسن نية أو نوايا سلمية؟
الزمن لا يرحم الشعوب الغافلة. وإذا كان بعض الحكام قد اختاروا أن يكونوا جزءًا من مشروع تصفية القضية، فإن الشعوب تملك خيار المقاومة. والتاريخ لا يُكتب بالحياد، بل بالمواقف. إن الجولان اليوم هو اختبار جديد للعرب: إما أن يُسقطوا هذه الصفقة في مهدها، أو يُضاف اسمهم إلى سجل من باعوا الأوطان في لحظة ضعف، مقابل وعد زائف بمستقبل لن يأتي.
ليس أمامنا سوى أن نُدرك أن المقاومة لم تكن يومًا ترفًا، ولا خيارًا عبثيًا، بل ضرورة وجودية أمام مشروع لا يعترف إلا بالقوة. كل تنازل هو دعوة لاحتلال جديد، وكل تطبيع هو تأشيرة عبور نحو ضياع جديد. فإما أن نقف على أرضنا بثبات، أو نُمحى من خريطة المستقبل كما مُحيت قبلنا شعوب استسلمت ثم اندثرت.
