سودان تمورو:
ما يجري اليوم في الساحة السياسية السودانية ليس مجرد اختلافٍ في وجهات النظر، بل هو صدامٌ عميق بين تحالفات المصلحة وحقائق المرحلة. صراعٌ تتكشف فيه أوراق قديمة كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة، بين قيادة الجيش السوداني وحركات دارفور التي وقعت اتفاق جوبا، فيما يُشبه سقوط الأقنعة عن وجوهٍ طالما تقنعت بشعارات “الكفاح المسلح” و”العدالة الإقليمية”.
منذ توقيع اتفاق جوبا، لم تكن بنوده واضحة بقدر ما كانت مرنة بما يكفي لتُشكل أداة تفاوض في كل منعطف. اليوم، تنفجر هذه المرونة في وجه الجميع، خاصة بعد أن بدأت حركات دارفور تتمسك بحصصها من السلطة بشكلٍ يستفز حتى حلفاء الأمس. فقد بات واضحاً أن الاتفاق لم يكن مشروع سلام بقدر ما كان مقايضةً سياسية بين من يملكون السلاح ومن يسعون للشرعية بأي ثمن.
الجيش، الذي تعامل طويلاً مع قادة الحركات كـ”شركاء ضرورة”، يدرك تماماً أن مناوراتهم لم تكن يوماً بدافع وطني، بل كانت جزءاً من لعبة تقاسم النفوذ. ولعل تسريب محاضر اجتماعات تطالب فيها هذه الحركات بمناصب وامتيازات عليا ليس سوى أول فصول الرد. لم يكن ذلك تسريباً عرضياً، بل بداية لتفكيك مشروعٍ بات عبئاً سياسياً وأخلاقياً على المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل انعدام الثقة وتآكل المصداقية.
التمسك المحموم من قادة الحركات بحقائب وزارية في حكومة كامل إدريس ليس سوى انعكاس لعقلية الغنيمة، لا الشراكة. أما الجدل الدائر حول نسبة الـ25% من السلطة، وما إذا كانت حقاً للحركات الموقعة سابقاً أو ستُعاد هندستها لتشمل قوى جديدة، فهو تعبير صريح عن أزمة الشرعية التي تطال اتفاق جوبا من جذوره. حين يتحول السلام إلى “حصص” و”منافع”، يكون مصيره التآكل من الداخل.
وسط هذه المتغيرات، يتضح أن الجيش يعيد ترتيب أوراقه. لم يعد يرى في حركات دارفور قوة عسكرية يُعتمد عليها، لا سيما بعد صعود تشكيلات جديدة مثل “قوات درع السودان” التي يبدو أنها باتت تحظى بثقة أكبر. بل إن ثمة مؤشرات على أن دوائر في القيادة العسكرية تميل اليوم إلى خيار أكثر راديكالية: التخلص من فكرة “الإقليم الخاص” برمتها، وطي صفحة الحركات بما لها وما عليها، في سياق إعادة تشكيل المشهد السوداني على أسس مختلفة.
حركات دارفور اليوم لا تواجه فقط خصومة مع الجيش، بل أزمة أخلاقية وسياسية أمام جمهورها. لقد بنت شرعيتها على مظلومية شعب دارفور، لكنها استهلكت هذه الشرعية في بازار السلطة. خطابها المزدوج بين “الكفاح” و”الامتيازات” لم يعد يُقنع أحداً، بل بات مدعاة للسخرية. في وقتٍ لا تزال فيه المعسكرات تمتلئ بالنازحين، يظهر القادة على شاشات التلفاز ليطالبوا بمناصب، ويهددوا بالعودة إلى التمرد إن لم تُلبَّ مطالبهم.
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة. فإما أن تُعاد صياغة اتفاق جوبا على أسسٍ أكثر عدالة وشفافية، وإما أن يُترك ليتفكك بفعل الصراعات داخله. كذلك، فإن مصير حركات دارفور على المحك: هل ستتمكن من تقديم نفسها مجدداً كجزء من حل وطني جامع، أم ستُختزل في كونها ورقة احترقت في لعبةٍ أكبر منها؟
اليوم، لم يعد السؤال عن من تواطأ مع من، بل عن من بقي في هذا المشهد دون أن تتلطخ يده. لأن ما يُكشف الآن ليس مجرد وثائق أو تصريحات، بل هو سقوط تدريجي لمنظومة كاملة من التواطؤات. أما عن الحركات، فقد آن الأوان لتواجه الحقيقة: حين تنتهي المصلحة، ينتهي التحالف، ويبقى فقط العراء السياسي لمن لا يملكون شرعيةً إلا في دهاليز الاتفاقيات المؤقتة.
