الجمعة, أبريل 24, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباراتفاقيات السلام الأمريكية.. بين الأمل العابر والمخاوف المشروعة!

اتفاقيات السلام الأمريكية.. بين الأمل العابر والمخاوف المشروعة!

خاص سودان تمورو

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، وبعد عامين من حرب مدمّرة أتت على الأخضر واليابس، يطلّ علينا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتصريح لافت: السودان سيكون على رأس أولويات الإدارة الأمريكية القادمة. هذا الإعلان، الذي جاء عقب نجاح الوساطة الأمريكية القطرية في توقيع اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية، يُقرأ لدى كثير من السودانيين بشيء من الأمل، وكثير من الريبة. فالسلام الذي يأتي على وقع التصريحات الأمريكية لا يُقرأ دومًا كمنحة خالصة، بل كصفقة تحمل بين سطورها معادلات معقدة، وحسابات لا تنفصل عن دوائر النفوذ والمصالح الدولية.

الاهتمام المفاجئ بالسودان ليس نابعًا من فراغ. فموقعه الجيوسياسي، وثرواته الطبيعية، وموقعه كمعبر استراتيجي بين شمال القارة وجنوبها، يجعل منه ساحة جاذبة لتقاطع الأجندات الدولية. في الوقت الذي تتزايد فيه خطوات روسيا وتُرسّخ فيه الصين نفوذها الاقتصادي في إفريقيا، تحاول واشنطن أن تستعيد توازنها في ساحات ملتهبة عبر مداخل إنسانية وسياسية تبدو للوهلة الأولى أخلاقية، لكنها في العمق امتداد لحرب باردة جديدة تتخذ من إفريقيا مسرحًا لها. إن الحديث الأمريكي عن السلام، مهما بدا مغريًا أو منطقيًا، لا ينفصل عن هذه السياقات، ولا يجب أن يُقرأ خارج منطق المصالح.

التاريخ الحديث للسودان مع الاتفاقيات التي تخرج من العباءة الأمريكية ليس باعثًا على الطمأنينة. فقد أوقفت اتفاقية نيفاشا الحرب بين الشمال والجنوب، لكنها في الوقت ذاته مهّدت لانفصال كارثي حمل في طياته دولة جديدة غير مهيأة للحكم، وترك السودان القديم مجروحًا ومنهكًا، يترنّح بين أزمات اقتصادية وانقسامات مجتمعية. ولم تكن تلك الاتفاقية سوى ترجمة لإرادة دولية أرادت تقسيماً ناعماً بحجة وقف القتال. كذلك فعل اتفاق الطائف في لبنان، حين خلّف نظامًا طائفيًا هشًا لا يزال يزرع الألغام في قلب الجمهورية حتى اليوم. فهل يكون السودان المحطة التالية لخرائط حلولٍ تُرسم في الخارج وتُفرض على الداخل؟

ثمّة خطر حقيقي من تكرار النموذج ذاته: اتفاق سريع يوقف إطلاق النار دون أن يضع أسسًا متينة للعدالة الانتقالية، أو يضعف من سيادة الدولة المركزية تحت غطاء لا مركزي زائف، أو أسوأ من ذلك، يُبقي جذور الصراع قائمة تحت رماد هدنة مؤقتة. كل اتفاق يُبرم دون تمثيل شامل لقوى الشعب الحية، دون أن ينطلق من الداخل، يظل مهددًا بالانهيار في أول هبة ريح، ويظل في أعين السودانيين اتفاقًا مفروضًا لا مُتفقًا عليه.

لكن، وفي المقابل، فإن فرص إنهاء الحرب لا تأتي كل يوم. الأمل لا يزال ممكنًا، إن توفرت شروطه. وأهم تلك الشروط أن يُبنى السلام على أساس وطني خالص، لا استيرادًا من غرف التفاوض في الدوحة أو واشنطن. أن يكون قرار السلم قرارًا سودانيًا حرًا، لا خاضعًا لضغوط الجيوبولتيك الدولي. وأن يتعلم السودانيون، نخبةً وشعبًا، من أخطاء الماضي. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في الميادين، بل موقفٌ يُتخذ على طاولات التفاوض. والاتفاقيات لا تكون عادلة ما لم تُعبّر عن إرادة الشعوب لا إرادة السفراء.

إن السودان يقف اليوم على مفترق حاسم: إما أن يكون هذا المسعى الأمريكي فرصة لسلام حقيقي ودائم، ينتشل البلد من دوامة الحرب والدمار، أو يكون مجرد محطة جديدة في سلسلة من التدخلات التي لم تخلّف سوى مزيد من الخراب. وما بين التفاؤل الحذر والخوف المشروع، تبقى الكلمة الأخيرة للسودانيين أنفسهم: إما أن يكتبوا مستقبلهم بأيديهم، أو أن يُكتب عنهم في تقارير الدول الكبرى، كضحايا لاتفاقيات صنعها الآخرون.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات