الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالنظام العالمي.. هيمنة الأقوياء واستعباد الضعفاء

النظام العالمي.. هيمنة الأقوياء واستعباد الضعفاء

سودان تمورو:

لم يكن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، مخطئًا حين ندد باختلال النظام المالي العالمي خلال مؤتمر تمويل التنمية في إسبانيا. لكنه، رغم صدقه، لم يبلغ جوهر الفاجعة. فالمشكلة ليست في اختلال “التمويل” فقط، بل في منظومة دولية كاملة صُممت لخدمة القوي وترويض الضعيف، لا تُبقي للمستضعفين سوى هامش البقاء دون كرامة أو قرار. نظام عالمي يدّعي الشرعية، بينما هو في حقيقته ساحة للهيمنة المقنّعة، تحرسها قوانين كتبتها القوى الكبرى لحماية مصالحها.

ما يسمى بـ”الشرعية الدولية” لم تعد سوى واجهة أنيقة لحقيقة فظيعة: مجلس الأمن الدولي خُطف منذ عقود من قبل الدول الخمس الكبرى، وحُوّل إلى أداة لإدامة السيطرة. قراراته تُفصّل على مقاس أصحاب “الفيتو”، لا على مبدأ العدالة. أما الجمعية العامة، فمجرد مسرح شكلي، تصدر قرارات لا تسمن ولا تغني من جوع، تُساق إليها الدول الصغيرة كما يُساق الديكور لتجميل مشهد عبثي.

ولأن للظلم وجوهاً متعددة، فإن العقوبات الاقتصادية كانت السلاح المفضل لمعاقبة الخارجين عن بيت الطاعة الغربي. السودان مثال صارخ على ذلك: بلد يعاني من عقوبات أمريكية تحت ذريعة إستخدامالسلاح الكيميائي، بينما الحقيقة أنه رفض الخضوع الكامل للإملاءات، فكان العقاب “مالياً” و”تنموياً” و”دبلوماسياً”. والأنكى أن دولاً ترتكب المجازر علناً وتحظى بالحماية من نفس القوى التي تعاقب السودان، فقط لأنها حليفة في لعبة المصالح.

ما نعيشه اليوم ليس مجرد غياب عدالة، بل وجود نظام عالمي متواطئ ضد التغيير، ضد التكافؤ، ضد الحلم بديمقراطية دولية حقيقية. ومن السذاجة انتظار إصلاح يأتي من الداخل، من قِبل من استفاد لعقود من هذا الخلل الفاحش. التغيير الحقيقي يبدأ من الأطراف، من “الهوامش” التي فاض بها الكيل، من تحالف واسع بين دول الجنوب العالمي يرفض لغة الاستجداء، ويصوغ مشروعًا بديلًا تتكئ فيه الأمم على بعضها البعض، لا على فتات النظام العالمي.

آن الأوان لتُطرح أسئلة حاسمة بلا مواربة: لماذا تحتكر خمس دول حق النقض؟ لماذا يُفرض على الشعوب الفقيرة سياسات تقشف وإصلاحات مجحفة من مؤسسات دولية لم تُنتخب ولم تُحاسب يومًا؟ لماذا يُسمح لقوى بعينها أن تتدخل عسكريًا متى شاءت، بينما يُدان غيرها حتى لمجرد التفكير في حماية نفسه؟ هذه ليست أسئلة نخب فكرية، بل أسئلة مصيرية يجب أن تتحول إلى وقود لحراك سياسي أممي، صوته قادم من الجنوب، من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، من الضحايا الحقيقيين لهذا الظلم المؤسسي.

العدالة لا تُمنح، بل تُنتزع. والحق لا يُسترد بالبيانات الدبلوماسية، بل بالتحرك الجريء. تصريحات البرهان، وإن جاءت متأخرة، يمكن أن تكون حجر الأساس لتحالف دولي جديد، يبدأ بمطالبة علنية بإلغاء “الفيتو”، ويمتد إلى تشكيل كيانات موازية لصندوق النقد والبنك الدوليين، وفضح ازدواجية المعايير الغربية بلا هوادة.

إن لحظة الحقيقة قد دقّت: فإما ثورة من الهامش، أو بقاء في قاع النظام، حيث لا يسمعك أحد ولا ينقذك أحد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات