الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمليشيات دارفور.. ثورة أم ارتزاق؟

مليشيات دارفور.. ثورة أم ارتزاق؟

خاص سودان تمورو

في مشهد يعيد إنتاج العار بنسخة أكثر فجاجة، تكشف مليشيات دارفور، يوماً بعد آخر، أن شعارات “الثورة” ليست سوى قناع رثّ يُخفى وراءه جشع منفلت، لا يعرف الكرامة ولا يخجل من استباحة معاناة من زعم الدفاع عنهم. فحين يُفتح طريق “نيرتتي – زالنجي” بعد ستة أشهر من الإغلاق بحجج أمنية واهية، لا يكون ذلك انتصارًا للمواطن ولا بوابةً للأمان، بل مجرد فرصة جديدة لجباية “إتاوة” تصل إلى 100 ألف جنيه على كل مركبة. سلطة بلا قانون، ورصاص بلا رقيب.

لطالما تغنت تلك الحركات بمصطلحات كبرى: “التحرير”، “العدالة”، “الكرامة”، لكن ما كشفه الواقع هو أن “الهامش” الذي ادعوا الدفاع عنه لم يكن إلا سلعة تُباع وتُشترى في بازار السياسة، وسيفًا يُشهر متى ما اقترب أحد من الامتيازات. كل ما في الأمر أن أدوات الابتزاز تغيّرت: من بدلات العسكر إلى شعارات النضال، ومن القرارات السيادية إلى نقاط التفتيش المسلحة. فما الفرق بين من ينهب بأمر رئاسي ومن ينهب تحت تهديد الكلاشينكوف؟ لا فرق، كلاهما يمتص دم الفقراء، ويقتات من هشيم أحلامهم.

دارفور، التي ظن الناس أنها طوت صفحة الحرب، تجد نفسها أمام مشهد أكثر انحطاطًا: لم تعد ضحية إبادة جماعية فقط، بل أصبحت مسرحًا لنهب منظم تحت لافتة “التحرير”. من حملوا السلاح بزعم رفع الظلم، ها هم اليوم يفرضون الضرائب العشوائية على المارة، وكأنهم يحكمون ممالك مستقلة، لا يعرفون قانوناً ولا يحترمون دولة. المواطن الذي صبر على الحرب والجوع والنزوح، صار عليه اليوم أن يدفع ثمن مروره على أرضه، كأنه غريب في وطنٍ تحكمه المليشيات.

الخبر الذي أوردته “دارفور 24” عن فرض رسوم باهظة على طريق نيرتتي – زالنجي ليس صادماً في ذاته، بل لأنه يكشف عن قاعدة ثابتة في سلوك هذه الجماعات: تحويل المعاناة إلى تجارة، وتسييل القضية إلى عملة نقدية. لقد باتت الحرب تجارة مربحة، لا يريد قادتها السلام، لأنهم يعرفون أن السلام يعني نهاية الامتيازات، وانتهاء عصر “التفويض الثوري” الذي استُخدم لشرعنة الفوضى والتسلط.

الخطير في هذا كله ليس فقط الابتزاز المالي، بل ما يرافقه من ترسيخ لفكرة أن لا مكان للدولة، ولا وجود لسلطة مركزية، ولا أمل في القانون. حين يصبح الطريق العام ساحة ابتزاز، والمليشيا جهة تنظيمية، وتُفرض الرسوم بلا حسيب، فإننا أمام واقع لا يختلف عن حكم العصابات، سوى في اللغة المستخدمة لتبريره.

السؤال المؤلم الذي لا بد أن يُطرح: هل كانت الثورة في دارفور فعلاً ثورة من أجل الناس؟ أم كانت مجرد سلّمٍ لتمكين قادة جدد يحملون نفس عقلية الجلاد، وإن تغيرت خطاباته؟ دارفور التي دفعت أغلى الأثمان من دم أبنائها، تستحق قياداتٍ تحمل مشروعًا حقيقيًا للعدالة، لا أن تعيد إنتاج القهر بشعارات منمقة. آن الأوان لأن تنكسر هذه الحلقة الجهنمية، ولأن يدرك الناس أن الثورة لا تكون على يد من يستبيحهم باسمها.

إن ارتداء عباءة “الهامش” لم يعد كافيًا لتبرير الارتزاق، ولا ادعاء “النضال” يمنح أحدًا حق النهب. السودان، بدارفوره وشرقه ووسطه، يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي، لا حركات مُسلّحة تقتات من الفوضى، ولا قادة يعتبرون المواطن مجرد خزينة متنقلة. فإلى متى نظل نعيد طرح السؤال القديم بصيغة موجعة: هل كان التحرير سوى خدعة؟ وهل تحوّل دم الشهداء إلى رأسمال في بورصة القادة؟

ما جرى في طريق نيرتتي – زالنجي ليس مجرد حادثة، بل هو كاشف أخلاقي وسياسي لما آلت إليه ثورات الهامش: من الحلم إلى الصفقة. فلتسقط الأقنعة، ولنعترف بالحقيقة المُرّة: في السودان، كثير من “الثوار” لم يكونوا أكثر من “مرتزقة بغطاء نضالي”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات