الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارثقافة الإفلات من العقاب وتكريس ثقافة العنف في السودان!

ثقافة الإفلات من العقاب وتكريس ثقافة العنف في السودان!

خاص سودان تمورو

مرةً تلو الأخرى، يثبت واقع السودان أن الدولة لا تزال أسيرة منطق الصفقات السياسية على حساب العدالة، وأن العفو العام لم يعد وسيلةً لتحقيق السلم الأهلي، بل أصبح مظلةً شرعية لمن ارتكبوا الفظائع، وغطاءً قانونياً لمجرمي الحرب. بينما تنتظر محكمة مكافحة الإرهاب موعد إصدار قرارها في قضية مقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، يعلو السؤال الأهم: هل ستمر هذه القضية إلى نهايتها الطبيعية بحكمٍ يُنفّذ، أم ستنضم إلى ركام القضايا المنسية التي وئدها العفو السياسي؟ لقد تحول القضاء السوداني إلى ما يشبه غرفة انتظار طويلة، تُعَلّق فيها الأحكام وتُجَمّد فيها العدالة حتى يحين موعد “التسويات”.

ما الذي يجعل قادة المليشيات يواصلون القتل بدم بارد؟ إنهم يدركون أن النهاية، مهما طالت المعركة، ستكون عفواً عاماً بحبر اتفاقية جديدة، وأن الدولة ستُسقط عنهم التهم كما تُسقط أوراق الخريف. وهكذا، تتحول حياة السودانيين إلى عملة تفاوض في صفقات لا يحكمها سوى منطق القوة. إن المحاكمة الغيابية لقادة الدعم السريع وعلى رأسهم محمد حمدان دقلو وعبد الرحيم دقلو، قد تبدو في ظاهرها محاولة لإحقاق الحق، لكنها في واقع الأمر لا تحمل ضماناً واحداً بأنها ستنفذ. ذلك أن العفو العام في السودان لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة تقضي بأن كل من يرفع السلاح، ويقتل، ثم يُفاوض، سينجو من العقاب.

ثقافة الإفلات من العقاب، التي باتت تتغلغل في مفاصل الدولة، لم تعد مجرد عَرَض، بل هي المرض نفسه. لقد أرسلت السلطات رسائل واضحة عبر عقود طويلة مفادها أن العدالة لا تطال الأقوياء، وأن من يملك السلاح يملك مصيره. في ظل هذا المنطق، تُرتكب المجازر، وتُهدم المدن، وتُحرق القرى، ثم تُطوى الصفحات باسم “السلام”. لكن أي سلام هذا الذي يُبنى على أنقاض العدالة؟ أي مصالحة تلك التي لا تبدأ من محاسبة الجناة وإنصاف الضحايا؟

إن ضحايا العنف في السودان، من دارفور إلى جنوب كردفان إلى الخرطوم، لا يطلبون أكثر من أن تُعامل دماؤهم بجدية. يطالبون بأن يكون القاتل قاتلاً، لا سياسياً يتصدر طاولات المفاوضات. فهل يُعقل أن تُنتزع أرواح المئات ثم يُعاد دمج الجناة في الحياة السياسية وكأن شيئاً لم يكن؟ متى يتوقف هذا العبث الذي يجعل من حياة المواطنين ثمناً لشرعية المليشيات؟

العفو العام في صورته الحالية لا يُحقق سلاماً، بل يؤسس لجولة عنف جديدة. لأن من لم يُحاسب اليوم، سيفعل غداً ما هو أفظع، وهو مطمئنٌ أن الصفح ينتظره، وأن السلاح هو أسرع طريق إلى السلطة. وما لم يتم وضع حد لهذه السياسة العبثية، فإن السودان سيظل يدور في حلقة مفرغة: جريمة، غضب، محاكمة صورية، ثم عفو.. ثم جريمة أخرى.

السودان أمام مفترق طريق. فإما أن يتبنى خيار العدالة الحقيقية، ويوقف منح صكوك الغفران الجماعية، أو يواصل مسار الانهيار الذي تُداس فيه أرواح الناس باسم المصلحة الوطنية. فالعدالة ليست ترفاً في مرحلة ما بعد الحرب، بل هي شرط أساسي لأي بناء حقيقي للدولة. ولا يمكن لأي اتفاق سلام أن يصمد، إذا كان أساسه مكافأة القتلة وتهميش الضحايا.

فليُحاكم القتلة، وليُرفع الغطاء عنهم، ولتتوقف هذه المهزلة. لأن البديل هو استمرار الفوضى، واستدامة الحرب، وانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة. إن لم يعد هناك معنى للمحاسبة، فإن لا معنى للدولة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات