خاص سودان تمورو
في تصريحاته الأخيرة لوكالة رويترز، لم يكن أحمد هارون، القيادي البارز في حزب المؤتمر الوطني يُدلي بآراء عابرة، بل كان يُلقي بحجر ضخم في بركة السياسة السودانية الراكدة. أقواله جاءت محمّلة بإشارات دقيقة، تكشف عن خريطة طريق مرسومة بوعي نحو إعادة تموضع حزبه داخل المشهد السياسي، ولو اقتضى الأمر إعادة إنتاج النسخة القديمة من الحكم، بعد إعادة تلميعها وإلباسها عباءة “الواقعية السياسية”.
دعوة هارون لإجراء استفتاء شعبي لاختيار قائد جديد للجيش لا تُقرأ إلا كعلامة على وجود توتر خفي بين المؤتمر الوطني وقيادة الجيش الحالية، وتحديدًا الجنرال عبد الفتاح البرهان. فالحزب، الذي طالما احترف اللعب من خلف الستار، لم يعد يخفي رغبته في إعادة تشكيل رأس المؤسسة العسكرية بما يتماشى مع مصالحه، أو على الأقل ضمان عدم وجود خصومة مضمرة تعيق تحركاته. الاستفتاء ليس إلا محاولة لمنح غطاء شعبي لتصفية حسابات داخل المعسكر العسكري، تمهيدًا لإيجاد واجهة قيادية تتماهى مع طموحات الحركة الإسلامية في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي قراءة أكثر عمقًا، فإن حديث هارون عن استمرار الجيش في الحكم بعد الحرب لا يندرج ضمن الأمنيات، بل هو توصيف واقعي لحالة سياسية مأزومة، يعيش فيها السودان تحت وطأة انسداد الأفق المدني. فغياب الوعي الكامل بمقتضيات الحكم الديمقراطي، سواء لدى المواطنين أو القوى المدنية أو حتى المؤسسة العسكرية، يجعل من الصعب، وربما المستحيل، تصور تحول جذري نحو دولة مدنية مكتملة الأركان. أضف إلى ذلك أن ملف حلّ الميليشيات ودمجها في الجيش لا يمكن التعامل معه كقضية فنية بحتة، بل هو موضوع سياسي بامتياز، يتطلب وجودًا فاعلًا للجيش، وربما يستدعي بالضرورة تمديد وجوده في السلطة بشكل أو بآخر.
حديث المؤتمر الوطني عن نظام “هجين”، يحتفظ فيه الجيش بالسيادة ويتقاسم فيه السياسيون الواجهة، ليس فكرة مستجدة، بل استنساخ دقيق للنموذج الذي أُسس خلال العقود الماضية، بدءًا من شراكة البشير والترابي، مرورًا بكل مراحل التهجين السياسي – العسكري التي سمحت ببقاء النظام تحت عباءة مدنية شكلية. بل إن ما يُسمى بـ”قرار الحزب بعدم العودة إلا عبر صناديق الاقتراع” لا يخدع أحدًا، لأنه ببساطة ليس تعبيرًا عن إيمان ديمقراطي، بل خيار تكتيكي مرهون بميزان القوى. فإن فُتح باب الانتخابات وعجز الحزب عن الفوز، فإن خيار الانقلاب سيبقى مطروحًا، كما حدث في التاريخ القريب والبعيد.
أما في ما يخص موقف هارون من “النموذج الغربي”، فثمة قدر من الصواب في تشخيصه، لكن خطورة هذا الطرح تكمن في استغلاله لتبرير حكم العسكر لا لرفض التبعية السياسية. نعم، النموذج الغربي للحكم لم ينجح في السودان، لأنه ببساطة وُضع في بيئة سياسية واجتماعية مغايرة، وغُرس بأدوات نخبوية معزولة عن الواقع السوداني، وفُرض بإصرار دون مراعاة للسياق المحلي. وقد ساهم هذا الإصرار في إفشال تجربة قوى الحرية والتغيير، لا لأنها قوى بلا مشروع، بل لأنها أسقطت نموذجًا أوروبيًا على تربة لا تناسبه. غير أن فشل النموذج الغربي لا يعني القبول بالبديل العسكري، بل يُحتّم علينا إنتاج نموذج سوداني خالص يحقق التوازن بين الاستقرار السياسي والسيادة المدنية.
وفي ختام حديثه، يتفاخر هارون بإمكانية عودة المؤتمر الوطني إلى السلطة عبر الانتخابات، وهي فرضية قابلة للتحقق، لكن لا لأنها تعني تفوقًا سياسيًا أو برنامجًا جاذبًا، بل لأنها تعبّر عن فشل القوى المدنية في تشكيل بديل جاد. فخلال سنوات ما بعد الثورة، أثبتت هذه القوى ضعفًا مؤسسيًا، وسذاجة في التحالفات، وتشرذمًا عقيمًا، وفقرًا في القيادة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يعود أسوأ من حكم السودان، لا لقوةٍ يمتلكها، بل لعجز خصومه، وغياب مشروع يُقنع الشارع ويقاوم الارتداد.
تصريحات هارون ليست تحليلاً بريئًا ولا رأيًا شخصيًا، بل هي وثيقة سياسية تعكس بوضوح نية لعودة المؤتمرالوطني، وفتح الباب أمام العودة بكل الوسائل، سواء عبر صندوق الاقتراع أو عبر بوابة العسكر. نحن لا نرفض المؤتمر الوطني كحزب بل نرفض الطريقة التي حكم بها البلاد عبر فتح أبواب الفساد على مصراعيها شراءا لذمم أصحاب النفوذ مما فاقم من كوارث البلاد وراكم القطط السمان.
السودان لا يحتاج إلى استفتاء على من يقود جيشه، بل إلى صحوة وطنية تُعيد الاعتبار للحكم المدني، وتصوغ عقدًا سياسيًا جديدًا لا مكان فيه للأشباح التي نهبت البلاد وأغرقتها في العنف والفقر. وإلا، فإن التاريخ لن يكرر نفسه كملهاة، بل كمأساة دموية مستمرة.
