سودان تمورو:
لم يكن إعلان تحالف “تأسيس” وتكليف محمد حسن التعايشي برئاسة الوزراء سوى الفصل الأخير في مسرحية طويلة كتبها العسكريون وأدّاها بعض المدنيين طوعًا، وآخرون خديعةً أو طمعًا في دور هامشي. فعندما تُسلَّم وزارات الدفاع والنفط والمعادن لقوات الدعم السريع، والخارجية والمالية والتعليم العالي للحركة الشعبية، بينما يُمنح المدنيون بعض المناصب الهامشية، تتجلى الحقيقة بوضوح: لا وجود لشراكة، بل تبعية. لا تأسيس لدولة، بل ترسيخ لحكم السلاح، تُخصَّص فيه للقوى المدنية مقاعد المتفرّج لا مواقع التأثير.
أما المتاهين مع الدعم السريع الذين هاجموا قوى الحرية والتغيير واتهموها بالتخاذل لأنها رفضت الاصطفاف مع الدعم السريع، فهم اليوم يواجهون مشهدًا أكثر فجاجة مما تصوروه. فالدعم السريع لم يدعم الاتفاق الإطاري لأنه يؤمن بالتحول المدني، بل لأنه رأى فيه منفذًا للتمدد السياسي على حساب الجيش، وهو ما فعله لاحقًا حين قلب المعادلة، وكون حكومته في دارفور وتحول إلى لاعب سياسي محوري. أما القوى السياسية التي تحالفت معه، فقد وجدت نفسها، كما كان متوقعًا، في موقع التابع لا الشريك، وفي دور المتلقّي لا صانع القرار.
ما حدث ليس مفاجئًا لمن قرأ تاريخ السودان جيدًا. كل من دخل في تحالف مع العسكر خرج منه خاسرًا، مشوهًا، مجردًا من المصداقية. والذين يتحدثون اليوم عن تأسيس جديد، يعلمون – أو يفترض أنهم يعلمون – أن ما يُبنى على البندقية، لا يصمد أمام طموحات الشعوب. فحميدتي لم يكن يومًا رجل انتقال، ولا مشروعه مشروع دولة. هو قائد ميليشيا تحوّل بذكاء العنف واستغلال الفوضى إلى لاعب سياسي، لكنه لم يتخلَ عن عقلية السيطرة، ولا أدوات الحرب.
إن ما جرى في تحالف “تأسيس” هو إعادة تدوير لنهج سلطوي في حلة مدنية، وتكريس لتقسيم السودان إلى مناطق نفوذ لا إلى ولايات مدنية. فما الفرق بين حاكم دارفور الذي يُعيّن من الدعم السريع، وحاكم الشرق الذي يُختار من نفس الدائرة، إن لم تكن المحاصصة بين سلاحين لا بين مشروعين سياسيين؟ ومن ظن أن التعايشي أو غيره سيكون “رئيس وزراء فعليًا” فعليه أن يراجع الفهم الأولي للسلطة حين تكون مخالبها في معسكرات مسلحة لا في صناديق اقتراع.
قوى الحرية والتغيير، رغم أخطائها، اختارت طريقًا صعبًا لكنه أكثر صدقًا. لم تضع يدها في يد من حمل السلاح، ولم تراهن على ميليشيا لتحقيق ديمقراطية. ويبدو الآن جليًا أن خيارها كان أقرب إلى منطق الثورة، حتى وإن تعثر. فالثورة التي خرجت ضد عسكرة الدولة، لا يمكن أن تُستعاد عبر تحالف مع من يعسكرون الدولة مجددًا بوجوه أخرى.
السودان لا يحتاج إلى تأسيس شكلي تتحكم فيه البنادق، بل إلى اقتلاع جذور الاستبداد من داخل المعادلة السياسية نفسها. لا خلاص من هذه الدوامة إلا بتحرر كامل من وهم الشراكة مع من لا يؤمنون بها، وبتأسيس شرعية تستند إلى الشارع لا إلى سبطانة البندقية. كل من يظن أن الميليشيا ستمنحه سلطة، سيجد نفسه ذات يوم يطلب الخروج الآمن من تحالف لم يكن فيه يومًا صاحب قرار.
الديمقراطية تُنتزع ولا تُمنح. ومن أراد الحكم المدني فعليه أن يقطع الطريق على كل عسكرة مقنّعة، لا أن ينحني لها باسم الواقعية السياسية. فما يحدث الآن ليس تأسيسًا لدولة، بل تأسيس لانهيار جديد، سيكون ثمنه أكبر، وسقوطه أقسى، لأن الغدر فيه جاء ممن حملوا لافتة “المدنية” وهم في الحقيقة ظلال للميليشيا.
