سودان تمورو
في اليوم الخمسين من هذه الحرب المستعرة، يبدو أننا نقف أمام واحدة من أكثر لحظات الاشتباك تعقيداً على رقعة الشطرنج الجيوسياسية، حيث تحولت الساعات الأربع والعشرون الماضية إلى “حرب روايات” بامتياز، تلاعبت فيها التكتيكات الميدانية بأسواق الطاقة العالمية وبأعصاب الساسة في واشنطن على حد سواء. فقد استيقظ العالم على هبوط حاد ومفاجئ في أسعار النفط، حيث أغلق خام غرب تكساس عند حاجز الـ 83 دولاراً، بينما استقر برنت بصعوبة حول 91 دولاراً. هذا التهاوي لم يكن نتاج معادلات اقتصادية تقليدية، بل كان استجابة مباشرة لخبر فتح مضيق هرمز، وهو النبأ الذي تلقفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنشوة واضحة، سارع معها إلى إمطار الفضاء الإلكتروني بتغريدات متلاحقة تبشر بانتصار دبلوماسي وهمي.
لم يكتفِ ترامب بإعلان فتح المضيق الذي أطلق عليه في زلة لسان أو محاولة تودد اسم “المضيق الإيراني”، بل ذهب بعيداً في مزاعمه، مدعياً أن طهران وافقت على التخلي عن سلاحها النووي وتسليم مخزونها من اليورانيوم، وأن اتفاقاً تاريخياً يلوح في الأفق يتضمن تعليقاً مفتوحاً للبرنامج النووي. بل إنه شكر طهران واعداً العالم بطاقة رخيصة، ومؤكداً في الوقت ذاته استمرار “الحصار البحري” حتى يتم توقيع الاتفاق. لكن هذه السردية الأمريكية المتفائلة اصطدمت سريعاً بحائط الواقع المعقد، حيث جاء الرد الإيراني متدرجاً وحاسماً؛ فوزير الخارجية عباس عراقجي كان دقيقاً حين ربط السماح بعبور السفن التجارية في هرمز بإطار “الهدنة”، بينما تولى إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية، تفكيك السردية الأمريكية بتأكيده أن استمرار الحصار البحري الأمريكي يمثل خرقاً صارخاً لتلك الهدنة، قبل أن يخرج رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ليصف ادعاءات ترامب السبعة بأنها محض أكاذيب.
وما هي إلا ساعات حتى انقلب المشهد رأساً على عقب. فبحلول ظهيرة اليوم التالي، تبخرت نشوة واشنطن وتراجعت أسواق النفط عن استرخائها مع إعلان الإغلاق التام لمضيق هرمز مجدداً. ولم يكن الإغلاق مجرد بيان سياسي، بل تُرجم ميدانياً بتحركات حازمة من الحرس الثوري الذي أجبر نحو عشرين سفينة تجارية، بينها ناقلات نفط هندية، على الاستدارة والتراجع تحت وطأة الطلقات التحذيرية. في أقل من يوم واحد، تحول هرمز من ممر “مفتوح بالكامل” إلى نقطة اختناق “مغلقة وخاضعة لسيطرة صارمة”، لتسقط ورقة التوت عن تقارير إعلامية أمريكية، مثل أكسيوس وسي إن إن، التي كانت تروج لاقتراب تسوية تتضمن الإفراج عن 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، متجاهلة أن العقدة الأساسية المتمثلة في التخصيب ومصير اليورانيوم لا تزال عصية على الحل.
هذا التناقض الظاهري في السلوك الإيراني، بين الفتح والإغلاق في غضون ساعات، ليس سوى تكتيك تفاوضي خشن بالغ الدهاء. ككاتب ومراقب من الخرطوم، أرى أن طهران لعبت أوراقها ببراعة استراتيجية؛ لقد فتحت المضيق في البداية لتسجيل موقف سياسي ولتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، جاعلة من تلك الهدنة إنجازاً يُحسب لصالحها، ثم عادت وأغلقت المضيق فوراً رداً على استمرار الحصار البحري الأمريكي. هذه المناورة المزدوجة تضمن لإيران تحقيق هدفين استراتيجيين في آن واحد: الأول، ضمان استمرار هدنة لبنان وتجييرها لصالح محورها، والثاني، إعادة الضغط الاقتصادي والسياسي الخانق على الإدارة الأمريكية. إنها رسالة واضحة من طهران مفادها أن مفاتيح الأزمة لا تزال في يدها، وأن أروقة السياسة لا تُدار بالتغريدات، بل بالقدرة على التحكم في صمامات الطاقة العالمية.
