الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيوهم "الصفقة التاريخية"!.. بقلم سالم صديق

وهم “الصفقة التاريخية”!.. بقلم سالم صديق

سودان تمورو

في خضم عاصفة التغريدات والتصريحات المتلاحقة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة الماضي، والتي اجتاحت الفضاء الإلكتروني في الولايات المتحدة وإيران وحتى إسرائيل، سادت حالة من التفاؤل المفرط بقرب التوصل إلى اتفاق مبدئي بين واشنطن وطهران. هذا المشهد الاحتفالي الذي صوره البعض على أنه نهاية وشيكة للصراع، يصطدم في واقع الأمر بجدار صلب من الخلافات الجوهرية؛ فالمراقب المدقق يدرك أن أياً من الطرفين لم يتراجع قيد أنملة عن مطالبه الرئيسية التي سبقت اندلاع المواجهات، مما يجعل الطريق نحو تسوية شاملة محفوفاً بالألغام السياسية والتفاوضية.

ولعل المفارقة الصارخة في هذا المسار التفاوضي تكمن في حالة “التمزق الداخلي” التي تعاني منها الإدارة الأمريكية ذاتها. فالسؤال المطروح الآن: هل تتفاوض طهران مع الدبلوماسيين الأمريكيين في إسلام آباد، أم مع صقور الحزب الجمهوري في واشنطن؟ وتشير التسريبات إلى أن المفاوضين الأمريكيين طرحوا فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً، إلا أن ترامب سارع بنسف هذا الطرح معلناً أن إنهاء التخصيب سيكون نهائياً ولا رجعة فيه. هذا التباين الشاسع بين البراغماتية التفاوضية، ورؤى المحافظين الجدد واللوبي الإسرائيلي الرافضين لأي تسوية مرنة، يعيد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة حيث كانت التفاهمات التي تُبرم على طاولة المفاوضات تتحطم بمجرد وصولها إلى أروقة واشنطن السياسية.

ولا تتوقف التعقيدات عند حدود الانقسام الأمريكي الداخلي، بل تمتد لتشمل ثالوثاً نووياً معقداً: التخصيب، ومصير المنشآت، ومخزون اليورانيوم. هنا، تقف الخطوط الحمراء للبلدين على طرفي نقيض؛ فبينما تتمسك طهران بحقها السيادي في التخصيب، والحفاظ على سلامة منشآتها، والاكتفاء بتخفيف مخزونها النووي تحسباً لأي نقض أمريكي للعهود، ترفع واشنطن سقف مطالبها حد المطالبة بتصفير التخصيب وتفكيك المنشآت وإخراج المخزون بالكامل. هذا الترابط العضوي بين الملفات الثلاثة يجعل من أي مبادرة وسطية -كقبول إيران بتعليق مؤقت للتخصيب لأقل من 10 سنوات- أمراً مستحيلاً في القاموس السياسي للجمهوريين، الذين يسعون لتحقيق نصر مطلق يجرد طهران نهائياً من أي قدرة مستقبلية على تطوير برنامجها.

وبعيداً عن أجهزة الطرد المركزي، يبرز ملف مضيق هرمز كعقدة جيوسياسية بالغة الحساسية. فإيران تسعى لانتزاع اعتراف دولي بسيادتها على المضيق، وهو ما تعتبره واشنطن ضربة قاصمة لهيبتها العالمية. ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية وضغوط أسعار الوقود، تجد الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة للسعي نحو إعادة الوضع في المضيق إلى ما كان عليه قبل الحرب، سواء عبر التلويح بمحفزات اقتصادية أو التهديد بفرض حصار بحري صارم. ورغم أن هذا الملف قد يبدو أقل تعقيداً من المعضلة النووية، إلا أنه يظل بؤرة توتر قابلة للانفجار في أي لحظة.

وتكتمل صورة المشهد بالنظر إلى المطالب الإيرانية المتعلقة بدفع التعويضات والإفراج عن الأصول المجمدة، إلى جانب الحصول على ضمانات ملزمة بعدم تعرضها لأي عدوان أمريكي مستقبلي. هذه المطالب تصطدم بعقيدة ترامب وحزبه التي طالما انتقدت الاتفاق النووي السابق بدعوى أنه وفّر التمويل ل”محور المقاومة”. وقد تجلى هذا الرفض بوضوح في تأكيد ترامب الأخير بأنه لن تُدفع “سنت واحد” لإيران مقابل نقل اليورانيوم. في المحصلة، يتضح أن المساعي الأمريكية لفرض إملاءات للحصول على مكاسب قصوى وشاملة، لا تترك مجالاً للحلول الوسط، وتجعل من التفاؤل الحالي مجرد سراب سياسي يتبدد أمام التعقيدات العميقة لانعدام الثقة وتضارب المصالح الاستراتيجية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات