الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالربا.. سرطان الاقتصاد ووباء الأخلاق

الربا.. سرطان الاقتصاد ووباء الأخلاق

خاض سودان تمورو

في عمق أزمة السودان الاقتصادية والاجتماعية، تنفجر قنبلة جديدة تكشف عمق الانهيار الأخلاقي الذي بدأ يتسلل إلى مفاصل المجتمع بصمت مدوٍ. النيابة العامة في بورتسودان تعلن توقيف خمسين متهمًا بتورطهم في عمليات استبدال النقد عبر التطبيقات المصرفية مقابل كاش بفوائد، في ممارسة تزدري القانون والدين معًا، وتُكرّس واقعًا اقتصاديًا مريضًا، عنوانه الاستغلال والطمع والانفلات.

ليست هذه الجريمة الاقتصادية مجرد فعل معزول عن السياق العام، بل هي مرآة عاكسة لانحراف كبير في منظومة القيم. إن من يبرر الربا تحت مظلة “الضرورة” أو “الحاجة” يتجاهل أن الشريعة لم تترك الناس يتخبطون في الفقر، بل وضعت ضوابط صارمة تحفظ الكرامة وتمنع الاستعباد المالي. كيف لبلد أن ينهض، وشرايينه الاقتصادية تسري فيها سموم الربا والرشوة، بينما يتواطأ الجميع إما بالصمت أو بالمشاركة؟

ما يحدث اليوم هو اغتيال متواصل للعدالة، بيد من وجدوا في انكماش الدولة وغياب السيولة فرصتهم الذهبية لامتصاص دماء الناس باسم “الخدمة المالية”. ما نراه ليس فقط تحايلاً على النظام المصرفي، بل هو استغلال واضح لأزمات الوطن لصناعة ثروات طفيليّة على حساب المواطنين البسطاء. والمفارقة المؤلمة أن هذه الممارسات تتم في بلد يرفع راية الإسلام، ويزعم تطبيق شرع الله، بينما الواقع الاقتصادي يشهد على عكس ذلك تمامًا.

إن تعطيل العدل الذي أمر به الله هو الطريق الأسرع لانفراط عقد المجتمعات. فما قيمة قوانين تحظر الربا إذا كانت السلطة نفسها عاجزة عن توفير البدائل الشرعية؟ وما جدوى الحديث عن التنمية، إذا كانت أدواتها ملوثة بهذا القدر من الاستغلال والفساد؟ فحين لا توفر الدولة السيولة، وتنهار الخدمات المصرفية، يظهر تجار الأزمات، فيُضاعفون المعاناة، ويحوّلون العوز إلى فرصة للربح الحرام، فتصبح الحاجة مطية لابتزاز الناس وتكريس الفوضى.

ومع كل هذا، يبقى البعد الأخلاقي هو الأخطر. فالمجتمع الذي يتعايش مع الربا، ويُطبع مع الرشوة، ويتبادل الحرام وكأنه حق، هو مجتمع ينتحر روحيًا وإن بدا متماسكًا ظاهريًا. الحروب التي تشتعل في السودان، والانقسامات التي تعصف بالوطن، ليست مجرد نتاج صراعات سياسية أو أطماع خارجية، بل هي في جوهرها انعكاس لانهيار داخلي في منظومة الأخلاق، وضياع الوجهة عن طريق الحق والعدل.

ولا مهرب من هذا المستنقع إلا بمراجعة صادقة، لا تنطلق من شعارات فارغة أو خُطب مُنمقة، بل من إرادة جماعية صادقة لإصلاح ما أفسده الجشع، واستعادة الميزان الذي اختل بين الدين والدنيا. وعلى الحكومة أن تبدأ بتحمّل مسؤوليتها كاملة: لا بالقبض على المتورطين فحسب، بل بتجفيف منابع هذه الظاهرة، عبر إصلاح النظام المالي، وتوفير السيولة، وفتح قنوات آمنة وسليمة للمعاملات النقدية.

وفي المقابل، على المجتمع أن يُعيد ضبط بوصلته، وأن يدرك أن الرزق لا يُؤتى بالحيلة والربا، بل بالتقوى والنية الصادقة. وأن البركة لا تسكن جيبًا امتلأ بالحرام، وأن الله لا يُكرم من يجاهر بمعصيته، مهما بلغت أرباحه في الدنيا. الربا ليس مجرد “خطيئة فردية”، بل هو سرطان إذا انتشر أتى على جسد الأمة بالكامل. وإن لم يُجتث من جذوره، فلا تنتظروا تعافيًا اقتصاديًا، ولا أمنًا اجتماعيًا، ولا حتى سكينة روحية. فالله تعالى قالها بوضوح: “فأذنوا بحرب من الله ورسوله”.

لا شك أن الخبر الذي أفادت به النيابة العامة في بورتسودان حول إيقاف 50 شخصًا متهمين باستبدال النقد مقابل الكاش بفوائد مرتفعة، يكشف عن ظاهرة اقتصادية واجتماعية خطيرة. هذه الظاهرة، التي تعرف بـ”تجارة العملة الرقمية مقابل الكاش”، ليست مجرد جريمة مالية عابرة، بل هي عرض لأمراض عميقة يعاني منها المجتمع السوداني، وتتطلب منا وقفة تأمل وتحليل.

إن انتشار مثل هذه الممارسات لا يعود إلى فراغ، بل هو نتيجة مباشرة للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. النقص الحاد في السيولة النقدية، وارتفاع معدلات التضخم، والاعتماد المتزايد على التطبيقات المصرفية، كلها عوامل أدت إلى خلق بيئة خصبة لظهور “المهن الطفيلية” التي تستغل حاجة الناس. ففي ظل عجز الحكومة عن توفير السيولة الكافية في المصارف، يجد المواطن نفسه مضطرًا للجوء إلى هؤلاء “التجار” لتأمين احتياجاته الأساسية، ولو كان ذلك مقابل دفع فوائد باهظة. هذه الفوائد، والتي تعد في جوهرها ربا، لا تقتصر آثارها على الجانب المالي فقط، بل تمتد لتضرب في صميم القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع.

إن الاتهام بأن جزءًا كبيرًا من المجتمع السوداني قد ابتعد عن تعاليم الشريعة الإسلامية ليس اتهامًا عاطفيًا، بل هو توصيف دقيق لحالة من التدهور القيمي. فممارسات مثل الرشوة والربا، التي كانت في السابق تعتبر من المحرمات والموبقات، باتت اليوم تُمارس بشكل شبه علني، بل وتجد من يبررها تحت ضغط الظروف. إن الحرب التي تشهدها البلاد، والكوارث التي حلت بها، لا يمكن فصلها تمامًا عن هذا التدهور الأخلاقي.

صحيح أن أسباب الحروب معقدة ومتشابكة، لكنها غالبًا ما تنطلق من غياب العدالة، وانتشار الفساد، وتغليب المصالح الشخصية على المصالح العامة، وكلها نتاج الابتعاد عن القيم السامية.

إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب جهدًا مزدوجًا. على الصعيد الحكومي، يجب على السلطات العمل بجدية على توفير السيولة النقدية، وتفعيل الرقابة المالية، وتطبيق القانون بصرامة على كل من يستغل حاجة الناس. كما يجب على الدولة أن تضع خططًا اقتصادية مستدامة تعالج جذور الأزمة، لا أن تكتفي بملاحقة أعراضها. أما على الصعيد المجتمعي، فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع. إن الحاجة إلى “مراجعة العلاقة مع الله” ليست مجرد شعار، بل هي دعوة لإعادة الاعتبار للقيم الدينية والأخلاقية. يجب على المؤسسات الدينية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني أن تلعب دورًا فاعلًا في نشر الوعي بمخاطر هذه الممارسات، وأن تذكر الناس بأن الالتزام بالشرع هو السبيل الوحيد لإصلاح الحال، وأن البركة والرخاء لن يتحققا في مجتمع ينتشر فيه الربا والفساد.

في الختام، إن القبض على هؤلاء المتهمين هو خطوة إيجابية نحو تطبيق القانون، ولكنه يبقى مجرد جزء من الحل. الحل الحقيقي يكمن في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، سواء كانت اقتصادية أو أخلاقية، وإعادة بناء مجتمع يقوم على العدل، والقيم، والالتزام بالشرع. السودان بلد غني بموارده وإنسانه، لكنه لن يعرف الاستقرار ولا الكرامة الاقتصادية ما دام يصر على مخالفة أوامر الله ويُغض الطرف عن الموبقات التي تنهش بنيانه من الداخل. قال تعالى: “ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب”. وهذه ليست مجرد آية تُتلى، بل وعد رباني لمن صدق العهد وسلك الطريق المستقيم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات