خاص سودان تمورو
ما الذي يدفع حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، إلى مغادرة البلاد في هذا التوقيت المفصلي؟ وهل ما جرى مجرد سفر عابر، أم انسحاب محسوب من مشهد سياسي بات عبئاً لا سند فيه ولا معنى؟ في كواليس بورتسودان، حيث تتآكل رمزية السلطة ويزداد الفراغ السياسي ضجيجاً، تدور الأسئلة بصمت: هل كان مناوي ضحية تقاسم السلطة في حكومة كامل إدريس؟ وهل قرأ جيداً الرسائل التي وُجهت إليه حين حُجِم نصيبه في المحاصصة الوزارية، رغم تمثيله لإقليم بأهمية دارفور؟ تلك الحكومة، التي تشكّلت على عجل، فضحت هشاشة التحالفات، وأظهرت من جديد أن من لا يملك أدوات ضغط داخل المعادلة العسكرية والأمنية، لا يُسمع له صوت. مناوي – الذي دخل قاعة التفاوض يوماً كقائد تمرد، ثم عاد منها كحاكم إقليم – وجد نفسه فجأة خارج دائرة التأثير، لا هو من المحسوبين على الجيش فعلاً، ولا هو قادر على التموقع مع قوى الهامش التي بدأت تتململ من الهامش ذاته. خروجه لم يكن فقط احتجاجاً على التهميش، بل تعبيراً عن مأزق أوسع. حركة تحرير السودان التي يتزعمها لم تعد موحدة ولا ملهمة. تصدعات داخلية، صراعات على النفوذ، اتهامات بالفساد، وخطاب جماهيري باهت يراوح مكانه بين التذمر من المركز، والعجز عن إنتاج مشروع مستقل. لم تعد الحركة تملك ذلك الزخم الثوري، ولا مناوي يملك تلك الكاريزما التي كانت تشعل الميادين وتربك المفاوضات. في ظل هذا الفراغ، تتعالى الأسئلة حول مستقبله السياسي: هل يفكر في العودة إلى دارفور لإعادة تموضعه على أرضه؟ أم أنه يطرق أبواب تحالفات جديدة، قد تشمل – ولو ضمنياً – الدعم السريع بقيادة حميدتي؟ السيناريو ليس مستبعداً. فبين الرجلين تاريخ من المصالح المتقاطعة، في الذهب والتهريب، وفي لحظات الاصطفاف مع الجيش ضد قوى أخرى. واليوم، مع تراجع قبضة الجيش في بعض المحاور، قد يرى مناوي أن تحالفاً ظرفياً مع حميدتي هو الورقة الأخيرة التي يمكن أن تضمن له البقاء في اللعبة. لكن التحالف مع حميدتي ليس دون ثمن. فالمشهد الإقليمي يزداد تعقيداً، وأي تقارب مع الدعم السريع قد يُنظر إليه كخيانة من قبل الجيش، وكفرصة من قبل خصومه في دارفور لتهميشه نهائياً. فالمنطقة تعج الآن بوجوه جديدة، وبحركات تملك سلاحاً وشعبية أكثر مما بقي في جعبة مناوي. وحتى خطاب الانفصال، الذي كان يمكن أن يفتح له باب الزعامة، أصبح الآن مسكوناً بمخاطر الانهيار الشامل. فدارفور، برغم رمزيتها، ليست مستعدة لأن تصبح دولة. لا الاستقرار القبلي، ولا البنية التحتية، ولا وحدة القرار السياسي تسمح بذلك. ومناوي – لو تقدم بهذا الخيار – لن يكون زعيماً لدولة جديدة، بل قائداً في حرب لا نهاية لها. الواقع أن مناوي بات معلقاً بين مشهدين: سلطة مركزية لم تعد تريده، وهامش غاضب لم يعد يثق فيه. بورتسودان لا توفر له سوى الشكليات، ودارفور لم تعد تمنحه التفويض. قوته العسكرية لم تعد كافية، ورصيده السياسي يتآكل بسرعة. فإلى أين يذهب الآن؟ وهل ما زال هناك من ينتظره ليعود؟ أم أن زعيم التمرد القديم صار اليوم مجرد ملاحظة هامشية في دفتر دولة تنهار؟ الرحلة الأخيرة لم تكن مجرد سفر، بل إعلان صامت بأن الزعيم غادر المشهد… لكنه لا يزال عالقاً في المأزق.
