سودان تمورو
في زمنٍ تتهاوى فيه المبادئ، وتُباع فيه القضايا في سوق المصالح، جاء موقف حكومة جنوب السودان رافضًا بشكل قاطع استقبال مهجرين من غزة ليكون صرخة أخلاقية في وجه المخطط الصهيوني الرامي إلى إفراغ الأرض من أهلها. لم يكن هذا الموقف مجرد بيان دبلوماسي عابر، بل إعلانًا سياسيًا وأخلاقيًا صريحًا: لا للترحيل القسري، ولا للتواطؤ مع جريمة جديدة ضد الشعب الفلسطيني.
إسرائيل اليوم تسعى إلى تحقيق ما عجزت عن فرضه بالقوة لعقود: غزة بلا غزيين. إنها تعيد سيناريو النكبة بأدوات أشد وحشية—قصف بلا توقف، حصار قاتل، وتجويع ممنهج. الهدف واحد: دفع الناس إلى الرحيل أو الموت. لكن موقف جنوب السودان يقول للعالم إن الشعب الفلسطيني ليس مجرد أرقام تنتقل من معسكر إلى آخر، بل أصحاب حق لا يمكن أن يُصادر.
اللافت أن جنوب السودان، الذي عرف معنى التهجير والحروب الأهلية، كان أصدق من كثير من الدول التي اكتفت بالصمت أو بالتبرير. جوبا تعرف جيدًا أن التهجير لا يُنهي الأزمات بل يفاقمها، وأن إفراغ غزة من أهلها يعني تصفية كاملة للقضية الفلسطينية وفتح الباب أمام صراع دموي بلا نهاية. لذلك جاء موقفها بمثابة درس في الأخلاق والسيادة معًا، رسالة تقول إن الكرامة الوطنية لا تُشترى ولا تُستأجر.
المطلوب الآن أن تتحرك بقية الدول العربية والإسلامية لتقطع الطريق أمام هذا المشروع. فإجهاض خطة التهجير ليس تضامنًا عابرًا مع غزة، بل هو دفاع عن استقرار المنطقة بأسرها. إن قبول تهجير الفلسطينيين جريمة مضاعفة، لأنها لا تُسقط فقط حقهم التاريخي في أرضهم، بل تُحوّلهم إلى ضحايا جدد لمأساة مفتوحة على الأبد.
برافو لحكومة جنوب السودان. لقد أثبتت أن الضمير الحي يمكن أن يعلو فوق الحسابات الضيقة، وأن الموقف الأخلاقي في لحظة تاريخية فارقة يساوي أضعاف مواقف سياسية باردة. هذه صرخة يجب أن تتردّد في كل العواصم: لا للتهجير القسري، لا لتصفية غزة جوعًا أو قهرًا أو حصارًا. فغزة باقية بأهلها، وفلسطين لن تُمحى مهما تعددت أدوات القمع والخداع.
