سودان تمورو
كشفت مجلة “أفريقيا كونفيدينشال” في تقرير حديث أن دولة خليجية، يُرجح أن تكون المملكة العربية السعودية، قد تعهدت بتمويل صفقة عسكرية ضخمة لصالح القوات المسلحة السودانية، تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليار دولار أمريكي، وتشمل أنظمة تسليح متقدمة. ووفقاً لما أوردته المجلة، فإن الصفقة التي وُقعت من قبل قائد سلاح الجو السوداني الفريق الطاهر محمد العوض الأمين، قد تكون مشروطة بجوانب سياسية ومالية لم يُكشف عنها بشكل رسمي.
وفي الرابع عشر من أغسطس، الذي يصادف يوم الجيش السوداني، ألقى القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان خطاباً شديد اللهجة، وصفته “أفريقيا كونفيدينشال” بأنه من أكثر التصريحات حدة تجاه قوات الدعم السريع التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”. البرهان جدد في خطابه رفضه القاطع لأي مفاوضات مع قوات الدعم السريع، داعياً إلى القضاء عليها، دون أن يتطرق إلى لقائه الذي جرى قبل ثلاثة أيام فقط مع المبعوث الأمريكي الخاص مسعد بولص.
وبعد تأكيده على موقفه المتشدد، اتخذ البرهان خطوتين إضافيتين تعكسان تحولاً في إدارة الملف العسكري. ففي السابع عشر من أغسطس، أصدر قراراً بإحالة عدد من كبار الضباط إلى التقاعد، من بينهم قيادات ميدانية شاركت في استعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم خلال المواجهات مع قوات الدعم السريع في وقت سابق من العام الجاري. واعتبرت “أفريقيا كونفيدينشال” أن هذه الخطوة تمثل أول عملية إعادة هيكلة للقيادة العسكرية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وقد تكون مرتبطة بلقاء البرهان مع المبعوث الأمريكي، في إطار محاولة لتشكيل قيادة جديدة تتماشى مع تغيرات محتملة في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة السودانية.
وفي خطوة ثانية، أصدر البرهان توجيهات تلزم جميع المليشيات المتحالفة مع الجيش بالامتثال الكامل لأوامر القيادة العسكرية، مع إعادة تصنيفها كمجموعات قتالية تابعة للقوات المسلحة، بدلاً من اعتبارها حلفاء مستقلين. هذا التوجه يمثل قطيعة واضحة مع السياسات التي اتبعها الرئيس المعزول عمر حسن أحمد البشير، الذي كان قد أنشأ ومول عدداً من المليشيات شبه المستقلة، من بينها قوات الدعم السريع التي نشأت من مليشيا الجنجويد في دارفور.
وأشارت “أفريقيا كونفيدينشال” إلى أن إحكام الجيش سيطرته على الخرطوم وضواحيها قد يكون وراء هذا التحول في التعامل مع المليشيات. فمع انسحاب وحدات الجيش والمليشيات المتحالفة معه من وسط العاصمة إلى أطرافها، بدأت بعض المجموعات المحلية في فرض نفوذها، حيث شهدت مناطق مثل أم درمان وبحري عودة لبعض القواعد الإسلامية، من بينها حظر التعليم المختلط وإلزام النساء بارتداء الحجاب.
هذه التطورات، وما تثيره من توترات، أثارت قلقاً متزايداً من احتمال عودة التيار الإسلامي إلى السلطة في الخرطوم، وهو ما قد يثير مخاوف لدى الدوائر الغربية، بما في ذلك فريق المبعوث الأمريكي بولص. وقد واجهت محاولة البرهان لفرض السيطرة على المليشيات المتحالفة مقاومة من “القوات المشتركة”، وهي مجموعات مسلحة في دارفور مرتبطة بالجيش، حيث أكدت أنها تخضع بالفعل لتعليمات القيادة العسكرية.
وتخلص “أفريقيا كونفيدينشال” إلى أن هذه الأحداث تعكس حالة من التفكك المتزايد في البنية العسكرية داخل السودان، ليس فقط من خلال الانقسام الواضح بين قوات الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، بل أيضاً من خلال ضعف واضح في هيكل القيادة داخل كل طرف. وفي الوقت الراهن، لا تزال المليشيات المتحالفة متمسكة بالانتماء إلى الجيش، بينما يواصل حميدتي وشقيقه الحفاظ على تماسك قوات الدعم السريع باعتبارها اتحاداً من الجماعات المسلحة.
وقبل اسابيع كشف موقع ProPakistani الباكستاني أن الجيش السوداني، ممثلة بهيئة التصنيع الحربي التابعة للقوات المسلحة، أبرم اتفاقاً عسكرياً واسع النطاق مع السلطات الباكستانية، بلغت قيمته الإجمالية أكثر من 1.5 مليار دولار. وجاء توقيع هذه الصفقة عقب زيارة رسمية أجراها وفد عسكري سوداني رفيع المستوى إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، في خطوة تعكس توجه القيادة العسكرية السودانية نحو تعزيز قدراتها القتالية في ظل استمرار النزاع الداخلي، وسط غياب أي مؤشرات على استعدادها للانخراط في مسار تفاوضي.
الوفد السوداني الذي زار باكستان ترأسه الفريق طيار الطاهر محمد العوض الأمين، قائد القوات الجوية، وضم في عضويته قائد الدفاع الجوي وعدداً من كبار المسؤولين في هيئة التصنيع الحربي. وخلال الزيارة، أجرى الوفد سلسلة لقاءات مع وزير الدفاع الباكستاني، وقائد القوات الجوية الباكستانية، إضافة إلى عدد من كبار القادة العسكريين، حيث تناولت الاجتماعات سبل تطوير التعاون الدفاعي بين البلدين، وتوسيع نطاق الشراكة في مجال التصنيع العسكري.
ووفقاً للتفاصيل الواردة في التقرير، تشمل الصفقة توريد مجموعة متنوعة من المعدات العسكرية المتقدمة، من بينها عشر طائرات من طراز K-8 Karakorum المخصصة للتدريب والهجوم الخفيف، إلى جانب عشرين طائرة مسيّرة من طراز Shahpar-2، ومئة وخمسين طائرة مسيّرة من نوع YIHA-III، وخمسين طائرة مسيّرة من طراز MR-10K، بالإضافة إلى خمسين طائرة مسيّرة من طراز Ababeel-5. كما يتضمن الاتفاق توريد محركات لمقاتلات MiG-21، ومئة وخمسين مركبة مدرعة من طراز ASV Mohafiz، فضلاً عن أنظمة دفاع جوي من طرازي HQ-9 وHQ-6، ما يعكس تنوعاً في الأصناف العسكرية التي تسعى الخرطوم إلى تعزيزها.
التقرير أشار أيضاً إلى أن تمويل هذه الصفقة قد يكون مدعوماً من طرف ثالث لم يتم الكشف عنه رسمياً، مع وجود إشارات تربط هذا الدعم المحتمل بتركيا. ويأتي ذلك في سياق تأكيدات بأن الجيش السوداني لا يزال متمسكاً بالخيار العسكري كنهج لإدارة الأزمة الداخلية، دون أن يبدي أي استعداد للدخول في مفاوضات سياسية، وهو ما يعكس استمرار التصعيد الميداني في ظل غياب الحلول التوافقية.
