سودان تمورو
لم يعد الاغتيال مجرد عملية عسكرية محدودة، بل غدا إعلاناً صريحاً لإلغاء مفهوم الدولة والسيادة، ونسفاً لقواعد العلاقات الدولية من جذورها. الضربة الإسرائيلية الأخيرة في قلب الدوحة لم تكن مجرد هجوم عابر استهدف قيادات من حركة حماس، بل كانت صاعقة سياسية وجغرافية هزّت المنطقة، وأعادت رسم قواعد الاشتباك بما يهدد الأمن الإقليمي والدولي على السواء. إنها ليست غارة جبانة كما وصفتها الخارجية القطرية فحسب، بل عملية اغتيال للسيادات ذاتها، وانكشاف كامل للوجه الحقيقي للتطبيع الذي لم يحمِ دولةً ولم يمنحها حصانة.
إسرائيل، التي تذرعت دوماً بملاحقة خصومها، تخطت هذه المرة كل الخطوط الحمراء. لم تضرب في طهران أو صنعاء أو بيروت حيث تُصنَّف تلك العواصم في خانة العداء، بل استهدفت الدوحة، حليف الغرب، ووسيط واشنطن المفضل في مفاوضات الشرق الأوسط. هذه ليست رسالة لحماس وحدها، بل صفعة لكل دولة عربية اعتقدت أن استضافتها لعمليات الوساطة أو علاقاتها مع واشنطن تمنحها مكانة محمية. الطائرات الإسرائيلية قالتها بصوت مدوٍ: “لا حصانة لأحد، حتى لو كان حليفنا وصديق حلفائنا”.
الخطر هنا لا يقف عند حدود الدوحة. فمنطق الإفلات من العقاب جعل إسرائيل ترى نفسها فوق القوانين، لا تعبأ بميثاق الأمم المتحدة ولا بالقانون الدولي ولا حتى بتحالفاتها نفسها. اغتيال في طهران مرّ دون إدانة جماعية، فكان طبيعياً أن يتطور الجنون ليستهدف أرضاً خليجية فيها قواعد أمريكية. إذا كانت السيادة الإيرانية قد انتهكت بالأمس وسط تواطؤ الصمت، فإن اليوم هو دور قطر، وغداً قد تكون أي عاصمة عربية أخرى، طالما بقي الرد العربي والإسلامي في دائرة البيانات المستهلكة.
ما جرى في الدوحة يجب أن يكون لحظة وعي فاصلة. فالخطر لم يعد محصوراً في حركة مقاومة أو فصيل فلسطيني، بل بات يهدد كل نظام سياسي يجرؤ على ممارسة دور مستقل أو استضافة صوت معارض للهيمنة الإسرائيلية. من يتوهم أن التطبيع يحميه، أو أن التحالف مع واشنطن يقيه، فقد تلقى البرهان القاطع: الولاء لا يمنح حصانة، والسكوت لا يوقف الجنون.
الموقف القطري، وإن كان حازماً في بياناته، يضع أمام الدوحة امتحاناً حقيقياً: هل تبقى الإدانة في إطار الخطاب، أم تتحول إلى فعل يثبت أن السيادة ليست مجرد شعار، وأن كلفة استباحتها ستكون باهظة على المعتدي؟ إن الرد المطلوب اليوم ليس فقط من قطر، بل من كل دولة عربية وإسلامية ترى في صون سيادتها ركناً من أركان بقائها.
القرآن الكريم يلخص جوهر الحقيقة حين يقول الله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}. وهذه الآية ليست مجرد تذكير ديني، بل قراءة سياسية بليغة للواقع: الرضا لن يتحقق بالانبطاح، والسلام لن يولد من رحم التطبيع الأحادي، ولا مكان للأمان في ظل منطق القوة والاغتيال.
الخلاصة أن ما حدث في الدوحة جرس إنذار أخير: إما أن يتشكل موقف عربي وإسلامي موحد يضع حداً لجنون الاحتلال، وإما أن تتحول عواصمنا إلى مسارح مفتوحة للغارات والاغتيالات. السكوت اليوم ليس حياداً بل توقيع على صك الاستباحة. والرد وحده هو السبيل الأخير لحماية الكرامة والسيادة قبل أن تُمحى من خرائطنا إلى الأبد.
