الأحد, مايو 17, 2026
الرئيسيةثقافةملفاتإمكان أو امتناع بناء نظرية إسلامية في النظام الدولي

إمكان أو امتناع بناء نظرية إسلامية في النظام الدولي

سودان تمورو:

توجد رؤى متباينة حول إمكان أو امتناع بلورة نظرية دينية—إسلامية تحديدًا—للنظام الدولي، ويمكن تفسير هذا التباين من خلال عاملين رئيسيين:

  1. تعدد التصورات حول علاقة العلم بالدين، وما يترتب على ذلك من اختلاف التوقعات من الدين الإسلامي في المجال الاجتماعي والمعرفي.
  2. الاختلاف في المنهج epistemology فيما يتعلق بكيفية استخراج أو استنباط نظرية إسلامية للنظام الدولي من القرآن والسنّة، أو تأسيسها على أساس هذين المصدرين.

 

  1. اتجاه القول بامتناع قيام نظرية إسلامية للنظام الدولي

أ. التأكيد على الطبيعة العلمانية والتجريبية للنظام الدولي

يرى هذا الاتجاه—المنطلق من الفصل التام بين الدين والسياسة—أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تتجاوز نطاق الأخلاق والعقائد الفردية، وأن الإسلام ليس فيه أحكام تأسيسية محددة تتصل بالنظام الدولي. وبناءً عليه، يُعَدّ استنباط نظرية إسلامية للنظام الدولي أمرًا غير ممكن، لأن النظام الدولي شأن اجتماعي–سياسي، بينما الشريعة—وفق هذا الرأي—تركته بالكامل للعقل وتجارب البشر.

ويضيف هذا الاتجاه أنّ:

النظام الدولي ظاهرة حديثة، بينما الإسلام ينتمي إلى ما قبل الحداثة.

النظام الدولي الحديث ذو طبيعة علمانية: فقد ظهر في سياق تاريخي حلّت فيه القومية محل الدين، ولم يعد للدين دور حاسم في توجيه علاقات الدول.

علم العلاقات الدولية نفسه تأسّس على فرضيات فلسفية غير دينية، يقوم على العلم التجريبي لا المرجعيات الدينية.

وبما أنّ العلم—وفق الرؤية الوضعية—حلّ محل الدين في تفسير الظواهر، فإن أي محاولة لتشييد نظرية دينية في النظام الدولي تُعدّ غير ممكنة.

نقد هذا الاتجاه

  1. القول بأن الإسلام يخلو من قواعد تتعلق بالنظام الدولي ادعاء غير دقيق:

من داخل المرجعية الإسلامية: توجد أحكام تنظّم علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين، مثل قاعدة نفي السبيل وتقسيم دار الإسلام ودار الحرب… إلخ.

ومن خارجها: العقل البشري عاجز عن الإحاطة بجميع الأحكام الاجتماعية–السياسية، بما فيها النظام الدولي، مما يُحتِّم إرشاد الوحي في هذا المجال.

  1. علمانية النظام الدولي القائم لا تنفي إمكانية دراسته دينيًا.

فكل ظاهرة—even العلمانية—قابلة للدراسة من داخل أطر معرفية مختلفة.

كما أن علم العلاقات الدولية نفسه يقوم على فرضيات فلسفية مسبقة؛ وبالتالي، فإن تغيير هذه الفرضيات يسمح نظريًا ببناء نظرية إسلامية في النظام الدولي.

 

ب. القائلون بإمكان نظري واستحالة عملية

وفق هذا التصور، فالنظرية الإسلامية في النظام الدولي ممكنة من حيث المبدأ، لكنها مستحيلة التطبيق عمليًا لعدة أسباب:

  1. التشتت الفكري داخل العالم الإسلامي، ووجود اختلافات عميقة بين الفكرين العربي والفارسي، السني والشيعي، مما يصعّب إنتاج نظرية موحدة.
  2. الإسلام—بحسب هذا الرأي—لا يتبنّى مفهوم الدولة–الأمة، وهو شرط أساسي في النظريات المعاصرة للنظام الدولي.
  3. وحتى إذا أمكن بناء نظرية إسلامية، فإن تطبيقها في العالم الإسلامي غير ممكن حسب هذا الاتجاه.

نقد هذا الاتجاه

  1. اختلاف المدارس الفكرية الإسلامية لا يمنع إنتاج نظرية إسلامية؛ إذ إن التعدد النظري سمة أصيلة في العلاقات الدولية، حتى داخل الفكر الغربي نفسه.
  2. عدم مركزية مفهوم الدولة–الأمة في الإسلام لا يعني عدم وجود تصور للعلاقات الدولية؛ فعدد من المدارس النظرية الحديثة تتجاوز مركزية الدولة أصلاً، وتهتم بالنظام الدولي والمجتمع الدولي أكثر من اهتمامها بالوحدات السياسية.
  3. عدم إمكانية التطبيق لا يعني امتناع البناء النظري؛ فهناك نظريات عديدة في العلاقات الدولية غير قابلة للتطبيق لكنها معترف بها كنظريات علمية.

 

ج. التعددية المعرفية وفصل العلم عن الدين

يرى هذا الاتجاه أنّ العلم والدين مجالان معرفيان مختلفان باختلاف موضوعهما ومنهجهما، ولا يمكن لأحدهما حلّ مشكلات الآخر. وبما أنّ الإسلام والعلاقات الدولية مجالان منفصلان، فبناء نظرية إسلامية للنظام الدولي غير ممكن.

نقد هذا الاتجاه

  1. اختلاف المجالات المعرفية لا يعني انعدام التداخل بينها؛ إذ إن:

أي نظرية—حتى الأكثر تجريبية—تقوم على فرضيات ميتافيزيقية.

وهناك تقاطعات منهجية بين مختلف العلوم، مثل دور التجربة في المعرفة الإسلامية.

  1. حتى في إطار التعددية القصوى، لا يستحيل بناء نظرية إسلامية للنظام الدولي؛ فالنظرية ليست بالضرورة “علمًا” بمعناه الوضعي، بل هي شبكة فرضيات تفسيرية تعتمد على منطق مستمد من الرؤية الإسلامية للعالم.

 

د. الاتجاه الوحدوي المعرفي (الوضعية)

يرى الاتجاه الوضعي أن المعرفة العلمية واحدة، تقوم على المنهج التجريبي. وبما أنّ:

الدين لا يُنتج قضايا قابلة للاختبار التجريبي،

والعلاقات الدولية علم تجريبي قائم على الشواهد القابلة للقياس،

فإن بناء نظرية إسلامية في النظام الدولي يصبح أمرًا غير ممكن؛ لأن ما لا يخضع للاختبار التجريبي يُعدّ غير علمي.

نقد هذا الاتجاه

  1. النظريات في العلاقات الدولية لا تقوم حصراً على الوقائع التجريبية؛ فمرحلة “التحصيل” النظري تتضمن الاستدلال، والتجريد، والافتراض، وليس التجربة فقط.
  2. حتى لو كانت النظرية الإسلامية غير قابلة للاختبار التجريبي، فإن ذلك لا يُسقط طابعها الإسلامي، بل يسقط فقط “علميتها” بالمعنى الوضعي.
  3. النظام الدولي مجال تعددي في موضوعاته ومناهجه؛ وبالتالي يمكن للنظرية الإسلامية أن تكون نوعًا متميزًا من النظرية داخل الحقل، تماما كما تتجاور الواقعية والليبرالية والبنائية.
  4. القول باستحالة النظرية الإسلامية مبني على تعريف ضيق جدًا للعلم؛ فإذا تجاوزنا هذا التعريف، تصبح إمكانية بناء نظرية إسلامية أمرًا مبررًا ومعقولًا.

 

خلاصة القسم

إن القول بامتناع بناء نظرية إسلامية للنظام الدولي يرتكز—في الغالب—على افتراضات فلسفية ومعرفية قابلة للنقاش. وإذا قبلنا بتعدد المناهج وشرعية المقاربات غير الوضعية، يصبح إمكان بناء نظرية إسلامية في النظام الدولي أمرًا ممكنًا نظريًا ومبررًا فلسفيًا، حتى إن ظلّ مجال التطبيق العملي محفوفًا بالتحديات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات