سودان تمورو:
أولًا: المنظور الاكتشافي
يقوم هذا المنظور على افتراضٍ أساسي مفاده أنّ جميع الأصول والقيم والقواعد والأحكام الكلية والجزئية المتصلة بالنظام الدولي—بمعنى علاقة المجتمع الإسلامي بسائر المجتمعات، وماهية النظام الدولي القائم والمأمول—موجودة بذاتها في الكتاب والسنّة باعتبارهما يمثلان الحقيقة الدينية في ذاتها.
ويمثّل الظاهرية السنية والاتجاه الأخباري الشيعي النماذج الأبرز لهذا التوجّه؛ حيث يرى هذا المنظور أنّ مهمة المنظّر ليست سوى الكشف عن هذه المبادئ من النصوص وتطبيق الظروف الدولية المعاصرة عليها بوصفها أحكامًا أولية أو ثانوية.
ويقوم هذا التصور على قاعدة أنّ إطلاقات الشرع تكفي وحدها لتسويغ نقل الأحكام من ظرفها الزمني والمكاني الأصلي إلى الزمان والمكان الحاضر دون قيود تُذكر، ما يجعل من الممكن، وفق هذا الرأي، صياغة نظرية إسلامية للنظام الدولي انطلاقًا من النصوص وحدها.
وبناء على ذلك، فإن النظرية الإسلامية للنظام الدولي هي صياغة اكتشافية محضة تستند حصريًا إلى الكتاب والسنّة عبر المنهج النقلي، وتستمدّ مشروعيتها من مطابقتها لحقيقة الدين ونفس الأمر.
نقد هذا المنظور
يواجه هذا الاتجاه عدة إشكالات معرفية، أبرزها:
- إن رسالة الإسلام بوصفه “دينًا خاتمًا” تتمثل في هداية الإنسان، لا في تقديم بيان شامل لجميع القواعد العلمية للنظام الدولي؛ ومن ثمّ فإن عدم وجود هذه التفصيلات لا يتعارض مع كمال الدين ولا مع شموله.
- توقّع أن يتضمّن الإسلام جميع أصول وقوانين علم النظام الدولي يتجاهل خصوصية بعض الأحكام وارتباطها بظروف زمانية ومكانية محددة.
- الادعاء بأن الإسلام يحتوي جميع العلوم والمعارف—including النظام الدولي—يتنافى مع الحكمة الإلهية، لأن الشارع فوّض كثيرًا من الشؤون السياسية والدولية إلى العقل وسيرة العقلاء ضمن ما يعرف بمنطقة الفراغ.
- تعتمد مشروعية النظرية على معيار واحد هو مطابقتها لنفس الأمر الديني، وهو معيار لا يصلح لتبرير النظرية في المجال المعرفي الإنساني العام ولا لدى غير المسلمين.
ثانيًا: المنظور الاكتشافي – الاستنتاجي (الاجتهادي)
يُقِرّ هذا المنهج—كالأول—بالطابع الشمولي والاجتماعي-السياسي للإسلام، لكنه لا يفترض وجود جميع تفاصيل النظام الدولي في النصوص. فهو يرى أنّ الكتاب والسنّة تضمّ القيم والمبادئ الكلية ذات الصلة بالعلاقات الدولية، فيما تُترك التفاصيل والجزئيات للعقل وللسيرة العقلائية، خصوصًا في مجالات “اللامنصوص فيه”.
وبهذا تصبح الظروف الزمانية والمكانية عنصرًا مؤثرًا في فهم الأحكام وتطبيقها، بحيث لا يجوز بحال تعميم حكمٍ ثبت اختصاصه بظرفٍ معين.
تُبنى النظرية هنا عبر مرحلتين:
- مرحلة الاكتشاف: استخراج المبادئ والقواعد الكلية من النصوص.
- مرحلة الاستنباط: تفريع الأحكام التفصيلية من تلك المبادئ عبر المنهج الاجتهادي العقلي-النقلي.
وتتمثل النظرية الإسلامية للنظام الدولي—وفق هذا الاتجاه—في مجموعة من القضايا المنسجمة المشتقة اجتهاديًا من النصوص، وتستمدّ مشروعيتها من مطابقتها لحقيقة الدين.
نقد هذا المنظور
- قد يكون من غير الواقعي افتراض أن النصوص تضمّ حتى الأصول الكلية للنظام الدولي، إذ قد لا تكون منصوصة أصلًا دون أن يعدّ ذلك نقصًا في الدين.
- تستبطن هذه النظرية طابعًا اعتقاديًا جازمًا يجعل من الصعب تقييمها من خارج الإطار الديني.
- محدودية قابلية النظرية للتطور، لأنها كثيرًا ما تُستخدم لتبرير النتائج العلمية القائمة لا لتأسيس معرفة جديدة.
- اقتصار المنهج على الاجتهاد الفقهي يجعل تطبيقه على حقل العلاقات الدولية محدود الجدوى.
- معيار المشروعية محصور في النص، ما يجعل قبول النظرية خارج الإطار الإسلامي أمرًا عسيرًا.
ثالثًا: المنظور التأسيسي
يرتكز هذا المنظور على فهم اجتماعي-حد أدنى للدين. فهو لا يفترض وجود قواعد علم النظام الدولي—لا كلياته ولا جزئياته—في النصوص، ولا يذهب إلى أنّ بالإمكان استنباط نظرية كاملة من خلال الاجتهاد.
فمهمة الدين هي الهداية وإرشاد الإنسان نحو السعادة، لا بناء العلوم وتفاصيلها. ولذلك فإن غياب أي علم من النصوص لا يُعد نقصًا ولا خللًا.
ومع ذلك، لا ينفي هذا الاتجاه أن الدين يتناول بعض القوانين والسنن الاجتماعية التي تُعدّ أساسًا يُستفاد منه في بناء نظرية إسلامية للنظام الدولي.
في ضوء ذلك، فإن النظرية الإسلامية للنظام الدولي غير جاهزة في النصوص؛ بل يجب تأسيسها وتشكيلها انطلاقًا من المبادئ والقيم التي يقدّمها الإسلام حول الإنسان والمجتمع والعالم.
وتقوم هذه النظرية عبر:
اتخاذ أصول الإسلام المعرفية بمثابة مقدمات نظرية.
صياغة فرضيات انطلاقًا من هذه المقدمات.
ثم إخضاع هذه الفرضيات للاختبار الأمبيريقي للتأكد من صلاحيتها.
وبذلك تكون النظرية ذات هوية إسلامية في مقام البناء، لكنها ذات طابع تجريبي في مقام التحقق.
نقد هذا المنظور
- يظل السؤال المنهجي قائمًا حول كيفية استخراج هذه الفروض الكلية من النصوص، وكيفية اشتقاق القضايا النظرية منها.
- يختزل هذا الاتجاه معيار صدق النظرية إلى التجربة وحدها، مع أن العلاقات الدولية لا يمكن أن تختزل في الاختبار التجريبي بسبب طبيعتها غير المتكررة وصعوبة السيطرة على متغيراتها.
- يحصر النظرية الإسلامية في الشكل التجريبي، في حين يوجد في حقل العلاقات الدولية نظريات تفسيرية، هNormative، وانتقادية لا تخضع جميعها للتجريب الخالص.
رابعًا: المنظور التأسيسي التعددي
يمتدّ هذا الاتجاه من المنظور التأسيسي لكنه يطوّره بمنهج تعددي يقوم على ثلاث ركائز:
- في مقام الاكتشاف:
لا يكتفي بالإلهام العام من النصوص، بل يعتمد منهجًا إسلاميًا متكاملاً لاستخراج الفرضيات الكلية من خلال مناهج متعددة:
التجربة
العقل
النقل
الشهود
وبذلك تُستخرج المقدمات النظرية من منظومة المعرفة الإسلامية بصورة منهجية.
- في مقام التقييم:
لا تُختبر النظرية عبر التجربة وحدها، بل تخضع لمعايير متعددة تتفق مع المعرفة الإسلامية وتشمل:
الاختبار التجريبي
البرهان العقلي
الحجية النقلية
التقييم المعرفي الشهودي
- في الأساس المعرفي:
تقوم هذه المقاربة على نظرية المعرفة الإسلامية المبنية على مفهوم “التشكيك” في العلم؛ أي أنّ الحقائق ذات مراتب، وأنّ النظريات تختلف في درجة مطابقتها للواقع، مما يفتح الباب أمام التعدد الطولي للنظريات وتطورها المستمر.
وبناء على ذلك، فإن النظرية الإسلامية للنظام الدولي هي:
مجموعة من القضايا المنسجمة المستندة إلى مقدمات إسلامية، والمشكّلة عبر مناهج عقلية وتجريبية ونقلية وشهودية، والهادفة لتفسير وتحليل الظاهرة الدولية وفق ميزان معرفي متعدد.
وتقتضي هذه المقاربة أنّه عند وقوع التعارض بين نتائج التقييمات المختلفة، تكون الحجية للعقل، لأنه الأساس الذي تُستمدّ منه صحة النقل وتُبنى عليه شرعية التجربة.
